بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده وكفى والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم المصطفى وآله وصحبه أهل النهى والتقى وعلى كل من سار على نهجهم وبهم اهتدى آمــين.
قال تعالى:
« و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو و يعلم ما في البر و البحر و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين ».
المفتاح الأول:
الكيّس من يعمل بالمحكم الكريم ويؤمن بالمتشابه الشريف ولا يرى في أفعال الله علة كأن يصوم رمضان لشفاء علة . وطوبى لمن حاسب نفسه، ومن اشتغل بعيبه سُرَّ بمحبوبه ومن سُر بمحبوبه آنسه في وحشته وجالسه في غربته وأزال عنه كل فاقة وهوان وجعله بين الورى من الآمنين وملجأ للقاصدين وقدوة للحائرين…
والكيّس الذي ينصح أخاه في الله استشفاء له ورغبة في علاج سقمه وكلما صغُرت نفسه في عينه وانكسر خاطره كبُر في عين الله وزهد فيما عند الناس وكانت هُويته ربّانية وجوارحه ترياقا للأسقام… والكيّس من عفا و يسّر و صالح وأصلح، وأعذر وستر ألم يقل الحق جل علاه لمن أراد أن يهلك خلقه لعصيانه وتمرده وكفران نعمه: « اتركوني وخلقي فإن أطاعوني فأنا حبيبهم وإن عصوني فأنا طبيبهم » …فلا تدري ما أخفي عنك لقصور إدراكك فسلّم لتسلَم فقد أخفى الله تعالى ساعة القبول يوم الجمعة والصلاة الوسطى والرجل الصالح في الأمة والاسم الأعظم الشريف بين أسمائه الحسنى وليلة القدر من العشر الأواخر من رمضان حتى تجتهد النفوس وتعلو الهمم بالعزائم إلى فضاءات الأنوار حيث الحق بلا ستر ولا مثال…
والكيّس من تفطّن ولا يغفل ويمهل ولا يهمل وينفق مما أوتي ولا يبخل ويسعى ولا يكسل فمن تقاعس عن الندب تقاعس عن الفرض ومن تقاعس عن الفرض فقد وُتر أهلَه ولا يجد من يعزّيه فيهم ألا تعلم أنه لا يجوز أن يفوتك وقت الصلاة حتى في الخوف، والضرورات تقدر بقدرها… ومن حافظ عليها علّمته كل خير ورعت حرمته وآمنته من كل خوف وفتحت له أبواب العطاءات من حيث لا يحتسب وهدته سواء السبيل وذلّلت له عقبات الطاعات وأبدل الله له سيئاته بها حسنات.. قال تعالى :« و من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب « وقال جل ذكره: » ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا » . وقال وهو أصدق القائلين:« ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا » . وقال عزوجل: « واتقوا الله ويعلمكم الله » . وقال سبحانه: « إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر »
والمراد هنا صلاة الاتصال، صلاة التي تبقيك ببقاء الله فردا في محرابه تعالى صمَدًا بين الورى صامدا كالأعلام راسخا كالرواسي جاريا كالأنهار لا ينقطع نفعك ولا يغور معينك كخليل الرحمن بهم تسقون وبهم ترزقون كما قال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
والكيّس من لا يحب إلا بحب الله ولا يبغض إلا ببغض الله ويقف موقف التوازن بين المنع والعطاء لأنه لا مانع لما أعطى سبحانه ولا معطي لما منع جل علاه فإن تيسّر لك أمر فبتوفيقه وتيسيره وإن تعسّر فبحكمته وتدبيره قال تعالى: « لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم » .
والكيّس من عظّم شعائر الله وتحرى أوقات القربات مهيئا نفسه لفيوضات الرحمن والعمل في أيام العشر الأولى من ذي الحجة يفوق ما سواه في سائر العام إلا من خرج بنفسه وماله في سبيل الله ولم يرجع بشيء والله يرزق من يشاء بغير حساب… ومن قابل عطاء الله بأنَّى وُكِّل إلى التدبير، وقد كانت مريم عليها السلام ترزق بلا معالجة وحينما قابلت بشارة الرحمن بأنَّى وكَّلها إلى الأخذ بالأسباب فقال تعالى لها»وهزي إليك بجذع النخلة تسَّاقط عليك رطبا جنيا وكلي واشربي وقُري عينا « . والفرد الذي لا يلتفت إلى سوى مولاه سبحانه ومن شغله ذكر محبوبه عن مسألته أعطاه فوق رغبته وأزال عن قلبه كل الأستار وكشف عنه كل الأغيار وأضاء له عقبى الدار.. ومن صفت نفسه وخضعت لربها صحبها وركبها وحمل عليها وصلى عليها النفل حيثما توجّهت ولكل وجهة هو موليها جل علاه.. فيها يرى الحق في الخلق ويخدم الخلق بالحق بلا سآمة ولا كسل فعين الله ترعاه ومولاه يتولاه. وجعله مغلاقا للشر ومفتاحا للخير..