Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

على هامش وإثر الهجرة النبوية المباركة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

على هامش الهجرة النبوية المباركة

لقد اختار العالم المسيحي ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام مبدأ لتاريخه، وأما المسلمون، فقد اتخذوا هجرة نبيهم ومنقذهم وباني أمجادهم مبدأ لتاريخهم الجديد مع أن التقاليد المألوفة عند الأمم الأخرى أن يؤرخ بولادة الزعيم أو وفاته أو ولايته. وكان فريق من العرب يؤرخون بعام ” الفيل ” وهو عام ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقد رأى فريق من المسلمين أن يفعلوا ذلك، ولكن جمهورهم اجتمع على ” الهجرة ” لأنها كما وصفها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ” فرق بين الحق والباطل “.

وأيا كان الأمر فقد كان المسلمون موفقين إلى الصواب في اختيارهم، لأن الهجرة، هجرة النبي وأتباعه، وضعت المؤمنين أهل الحق في صف والمشركين، أهل الباطل في صف آخر، وحققت للمسلمين الذين كانوا قلة مضطهدة في “مكة” أن يقيموا في المدينة المنورة سلطة بل ” دولة ” حرة قوية استطاعت أن تنتصر على خصومها المشركين وتخضع لسيادة الإسلام مكـة ثم جزيرة العرب، وكتب لراياتها الظافرة بعد ذلك، أن تنتصر على الإمبراطوريتين في تلك الأيام: دولة الفرس ودولة الروم ” بيزنطة “.

وإذا كانت الأديان السماوية جميعا تقوم على التراحم والتعاون والتكافل من غير أن ترسم لذلك كله تشريعات واضحة، وحدودا صريحة، وقوانين نافدة إذ تترك للنظم ” الزمنية ” القائمة تقرير الأصول ووضع التشريعات، فإن الإسلام ينفرد من بين تلك الأديان بتنسيقه بين شؤون المادة وشؤون الروح وبين سلطات الدولة وتوجيهات الدين، وبين العمل في الدنيا والاستعداد للآخرة، وبنظم واضحة صريحة تتعادل فيها الحقوق والواجبات، ويتساوى فيها الجهد والجزاء وتكفل فيها ضمانات المعيشة المادية وضمانات العـدالة القانونية. والإسلام على هذا من خلال نظمه وتشريعاته هو دين التوحيد بين قوى الكون جميعا، ففيه تلتقي القيم الاقتصادية والقيم الخلقية، ويتم التوازن بين أشواق الروح ومظاهر الحياة، فلا عجب إذا بلغ الذروة من التسامي الروحي والقمة الشامخة من العدل الاجتماعي.

إن الأمة الإسلامية إذ تحتفل بميلاد السنة الهجرية الجديدة تدرك لا محالة أنها إذا رضيت بالقعود عن الجهاد في سبيل الله خوفا على الحياة أو على المال أو على اللذائذ والمصالح والمتاع، فإنّها مهدّدة في عزّها وسلطانها. والعذاب الذي يتهددها ليس عذاب الآخرة وحده فهو كذلك عذاب الدنيا، عذاب الذّلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات واستغلالها للمعادين. وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذّل، فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء.. وفي هذا يقول جل علاه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله إثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ﴾(التوبة/38-39). وما يحجم ذو عقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله إلا وفي هذه العقيدة دخل وفي إيمان صاحبها وهن. لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغزُ ولم يحدّث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق».

ويضرب الله لنا معشر المسلمين من الواقـع التاريخي الذي نحفظه، على نصرة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بلا عون من أحد ولا ولاء، والنصر من عند الله يؤتيه من يشاء ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾(التوبة / 40). ذلك حين ضاقت قريش بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ذرعا كما تضيق القوة الغاشمة دائما بكلمة الحق، لا تملك لها دفعا ولا تطيق عليها صبرا فَأْتَمَرت به، وقررت أن تتخلص منه، فأطلعه الله على كيدها وأوحي إليه بالخروج، فخرج وحيدا إلاّ من صاحبه الصديق لا جيش ولا عُدّة وأعداؤه كُثر، والقوم على إثرهما يتعقبون والصديق رضي الله عنه يجزع لا على نفسه ولكن على صاحبه أن يطلعوا عليهما وهما في الغار ( غار ثور ) فيخلصوا إلى صـاحبه الحبيب، يقول له: ” لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تـحت قدميه ” والرسول صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله سكينته على قلـبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول: « يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟» وكان ذلك على الراجح في اليوم الثاني من ربيع الأول الموافق 20 ايلول سنة 622 م بعد أن مضى ثلاث عشرة سنة من البعثة.

وأما المشركون فقد أعمى الله أبصارهم حتى لم يحن لأحدهم منهم التفاتة إلى ذلك الغار ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله. وكان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾. ويعبر الإمام البوصيري رحمه الله عن هذه العناية الربانية بقوله:

فالصدق في الغار والصديق لم يرما    *    وهــم يـقـولــون مــا بالــغـــار مــن أرم

ظنوا الحمام وظنــــوا العنكبوت على   *   خير البريــة لــم تنسج ولــــم تحـــــم

وقاية الله أغـنت عن مـضـاعــفــــــــة   *   من الدروع وعن عال من الأُطُــــــــــم

ذلك مثل على نصرة الله لرسوله ولكلمته، والله قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطؤون. ولقد أدرك المؤمنون المخلصون دلالات قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾( التوبة / 41 ) وأدركوا هذا الخير العميم فنفروا والعوائق في طريقهم، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار، ففتح الله عليهم القلوب والأراضين، وأعز بهم كلمة الله وأعزهم بكلمة الله وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح . 

لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك، على وجه الأرض وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف سيدنا محمد رسول الثقلين صلى الله عليه وسلم. ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في بناء المسجد، والمؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة وكتابة وثيقة (دستور) حدّدت نظام حياة المسلمين فيما بينهم وأوضحت علاقاتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة..

أجل، إن من نظام الإسلام وآدابه أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه. ولكن مالم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بهما عن معرفة وعلم، فإن وحدتهم تؤول إلى شتات، وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء. فمن أجل هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل كل شيء، فبادر إلى بناء المسجد بعد أن أكمل بناء شخصيات عُمَّاره وطهّر نفوسهم من كل الطواغيت. وفيه يقول جل علاه: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين .﴾ ونهاه، وسلوكه تشريع لنا، أن يقوم في مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين والذي بناه المنافقون بجوار مسجد قباء إثر نصيحة هرقل ملك الروم إلى حميمه اللعين أبي عامر الذي بارز بالعداوة وظاهر بها منذ هزيمة الكفار ببدر المباركة. فإن هذا المسجد الذي فرغ منه أصحابه قبل خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين، تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه، وتمييعه، وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدّين عليها لتـترُّس وراءها وهي ترمي هذا الدّين، وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق.

ولتثق الأمة الإسلامية أن الله متم نوره ولو كره الكافرون ولكن ينبغي لها أن تعيد النظر في تربية أبنائها تربية أصيلة روحية وعلمية تتماشى مع متطلبات العصر الحديث ومبادئ الشرع الحنيف وتجعل من مؤسساتها التربوية والتكوينية بدءا من المسجد إلى الجامعة ومعاهد البحث العلمي، مصدر إشراق وأنوار وانفتاح لكل العلوم.. فينشأ الجيل متوازنا لا يترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه.

إن أهمية أساس التآخي بين المسلمين الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند مقدمه المدينة يظهر من وجوه: إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها. ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة لكن على أساس العقيدة الإسلامية التي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله، سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح. ثم إن هذا التعاون والتناصر في هذا المجتمع السليم قائمان طبق ميزان العدل والمساواة فيما بين الأفراد كآفة. فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد فإنها لا تتحقق ما لم تقم على أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم.

لم يكن ما أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين. ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الإخوة. وكانت هذه المسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه. وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمان بن عوف إذ عرض على عبد الرحمان بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية، ولكن عبد الرحمان شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها. ولم يكن سعد بن الربيع منفردا عن غيره من الأنصار، فاستحقوا بذلك الثناء من العزيز العليم الذي قال فيهم في محكم التنزيل: ﴿ والذين تبوَّءوا الدّار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾( الحشر / 9 ).

والأمة الإسلامية إذ تستقبل السنة الهجرية الجديدة تتأهب لاحتفال بعيد عاشوراء، تحتفل به وتخالف في احتفالها اليهود الذين اتخذوه عيدا لهم منذ أن نجى الله موسى عليه السلام من قبضة فرعون اللعين. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا: يوم صـالح نـجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى . فقال صلى الله عليه وسلم أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه » وفي رواية لأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا قبله يوما وبعده يوما »… وقد عزم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصوم العام القابل التاسع والعاشر من محرم الحرام فلم يأت ذلك الأجل حتى التحق  بالرفيق الأعلى. والسر هنا يكمن لا في صيام عاشوراء وإنما في كيفية صيام هذا اليوم، كيفية تخالف اليهود.. ومخالفة اليهود تعني أنه يجب على الأمة الإسلامية أن تتفطن إلى خداع اليهود وأعوانهم الذين يستهدفون الإسلام قبل كل دين لأنهم يعرفون من تاريخهم كله أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة، وأنهم غالبوا أهله طالما أهله لا يحكّمونه في حياتهم مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله.. فهذا التخدير بوجود الدين وهو غير موجود في حياة الناس، ضروري لتنجح المؤامرة أو يأذن الله فيصحوا الناس… وقد آن للمسلمين أن يفقهوا الإسلام ويعوا ما فيه ويتمثلوه في كل ناحية ويجسدوه بالعلم والعمل تحت قيادة واحدة حتى ترتفع أعلامه ويدخل الناس في دين الله أفواجا وما ذلك على الله بعزيز…