Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

حول مائدة عاشوراء المباركة !!

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

يسمونه “عاشوراء” وهل لأنه اليوم العاشر من شهر محرم الحرام أو لأنه اليوم الذي تؤدى فيه عادة الزكاة لمستحقيها أو لأنه في مثله تكرم الله سبحانه وتعالى بعشر كرامات على عشر أنبيائه المقربين أو كل ذلك معا؟؟ والحقيقة أنه يوم عيد وليس بيوم حزن كما يزعم البعض من الغلاة في الدين، وهو يوم توسعة على العيال ويوم محاسبة النفس، فيه تصب نفحات الله على عباده صبا والكل يغتنم ويسعد إلاّ من أبى!!

1) عاشوراء على مر الدهور

لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما عن أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال:” الصلاة في جوف الليل ” وعن أي الصيام أفضل بعد صيام رمضان؟ فقال ” شهر الله الذي تدعونه المحرم.”(رواه احمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة).

ولقد ورد في فضل يوم عاشوراء آثار كثيرة منها ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في “مكاشفة القلوب” قال: في يوم عاشوراء تاب الله على سيدنا آدم، وفيه خلقه وفيه أدخله الجنة. وفي يوم عاشوراء ولد سيدنا إبراهيم الخليل وفيه نجاه الله من نار النمرود، وفيه استوت سفينة سيدنا نوح على الجودي، وفيه رفع سيدنا إدريس مكانا عليا وفيه أخرج سيدنا يوسف من الجب وفي يوم عاشوراء كشف الله ضر سيدنا أيوب وأخرج سيدنا يونس من بطن الحوت وفي مثل هذا اليوم نجى الله سيدنا موسى وقومه من فرعون الطاغية وفيه أعطى سيدنا سليمان الملك العظيم وفيه ولد سيدنا عيسى وفيه رفع إلى السماء على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام… وقيل أن أول مطر نزل من السماء إلى الأرض كان في يوم عاشوراء.

واعلم أن صوم عاشوراء كان معروفا بين الأمم حتى قيل إنه فرض قبل رمضان ثم نسخ به. وقد صامه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة المباركة. وقال الإمام الحافظ ابن القيم الجوزية رحمه الله في ” زاد المعاد في هدي خير العباد”: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا اليوم قبل أن يفرض صيام رمضان فلما نزل فرض رمضان تركه. فلا ريب أن قريشا كانت تصوم هذا اليوم في الجاهلية وكانوا يكسون الكعبة المشرفة فيه، وصومه من تمام تعظيمه. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجدهم يعظمون ذلك اليوم ويصومونه فسأل عنه فقالوا: “هذا اليوم نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون “.  فقال عليه السلام: ” نحن أحق بموسى منكم “، فصامه وأمر بصيامه تقريرا لتعظيمه وتأكيدا.

2) عاشوراء ومخالفة اليهود

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى عليه السلام شكرا لله على نعمة النجاة والانتصار، كنا أحق أن نقتدي به من اليهود لاسيما إذا قلنا ” شرعُ ما قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا”. وقبل التحاقه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى حث على مخالفة أهل الكتاب في صوم عاشوراء قائلا: ” لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع (أي معه)” وقال أيضا مؤكدا: ” خالفوا اليهود وصوموا يوما قبله أو يوما بعده (أي معه). وقد كان عليه الصلاة والسلام في أول الأمر عند مقدمه المدينة، يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء… وما خالفهم إلا أنه رأى فيهم الغدر بالعهود والعداوة للإسلام والمسلمين فأصبح حبهم كفرا وبغضهم هو الإيمان الكامل بصريح الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾(سورة المائدة/51).

والنهي الوارد هذا من الكتاب والسنة عن التشبه بالكافرين في مقالهم وفعالهم في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ﴾( البقرة/104) و في قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ” خالفوا المشركين وفّروا اللحي واحفوا الشوارب”. وقوله كما سبق بالنسبة لعاشوراء: “صوموا يوما قبله أو يوما بعده” مخالفة لليهود… وكل هذا يوحي برعاية الله لنبيه الكريم وللجماعة المسلمة ودفاعه سبحانه وتعالى عن أوليائه بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الكافرين.. وهل سمع أبناء الإسلام هذا النهي ؟؟

فينبغي لنا ونحن نحتفل بعيد عاشوراء أن ندرك معنى التوسعة التي حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه الحافظ المنذري عن البيهقي وغيره قال: “من أوسع على عياله وأهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته”. ويعلق الأستاذ المرحوم مصطفى محمد عمارة على هذه التوسعة فيقول: والمراد بها زاد الله في رزقه ووسع عليه وبارك فيما أعطاه. وفي المدخل لابن الحاج: التوسعة فيه على الأهل والأقارب واليتامى والمساكين وزيادة النفقة والصدقة مندوب أمرها لكن بدون تكليف ولا تعسير.. ثم ندد على ما يفعل فيه من ذبح الدجاج وطبخ الحبوب وتناول نوع خاص من الأطعمة وما إلى ذلك ثم قال: “ولم يكن السلف الصالح رضوان الله عليهم يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير واغتنام فضيلتها، لا بالمأكول بل كانوا يبادرون إلى زيادة الصدقة وفعل المعروف.” اهـ

وينبغي لنا معشر المسلمين أن نحتفل بهذا العيد وذلك بالتوسعة الحقيقية على عيال الله، المستضعفين والمستغلين هنا وهناك بالتخلي عن التناحر والتدابر وبالتحلي فيما بقي من العمر بالمحبة والتآخي لنبني سويا يدا واحدة وصفا واحدا صرح ديننا الحنيف الذي انصدعت جدرانه بالاختلافات والأهواء والضلالات.. ويومئذ نسعد جميعا ويفرح المؤمنون بنصر الله.. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.