بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
الأثـر الاجتماعي
وأهم الآثار الاجتماعية التي ترتبت على قيام الحكومة النبوية في المدينة تحطيم فوارق الطبقات، والتدرج في محاربة الرق، ورفع مستوى المرأة وإلغاء المسكرات. فمنذ حل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينة الأنصار طفق بأقواله وأفعاله يقضي على التمييز العنصري ويهدم قواعد الكبرياء، ويضع الموازين القسط لأسس المساواة الحقيقية بين الناس أجمعين. وجهر عليه الصلاة والسلام بأن ” الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى” فكانت التقوى على هذا الأساس معيار المفاضلة بين الإنسان وأخيه الإنسان، فليس لأحد أن يتميز على أحد لعرقه أو جنسه أو لونه من حيث الاستعداد النفسي لتتجاوب مع النتاج الحضاري والثقافي والروحي.
ومن هنا انطلق عليه الصلاة والسلام بتدرج في تحرير الرقيق مقراً لكل إنسان بوصفه إنسان حق الحرية، محرما استرقاق الحر دون سبب مشروع غالبا ما يكون بعد الأسر في الحروب، وقد هيأت هذه الخطوات المتدرجة الضمير البشري لإلغاء الرق.
وانسجاما مع هذه التعاليم التي تُكرّم الإنسان، ولا تفرق بين أجناسه وعناصره، أقر الإسلام للمرأة بأهليتها في الحقوق المدنية والمالية، وجعلها مساوية للرجل في المجال الديني والإنساني والاجتماعي، وبلغ من تكريمها ما لم يبلغه تشريع اجتماعي في القديم ولا في الحديث.
ذلك بأن المرأة في نظر الإسلام شريكة الرجل في حياته، وجزء متمم له لابد أن يرتبط به ارتباط مقدسا يقوم على الود والرحمة والحنان كما قال تعالى في سورة الروم: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾(21). والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين وتدفع خطاهم وتحرك نشاطاتهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة، ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجا، وأودعت نفوسهم لهذه العواطف والمشاعر وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب وراحة للجسم والقلب واستقرار الحياة والمعاش، وأنسا للأرواح والضمائر واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء، لعل الناس يتفكرون.. فيدركون حكمة الخالق جل علاه في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقا للآخر، ملبيا لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية، بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار، ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء، والمودة والرحمة، لأن تركيبتهما النفسية والعصبية والعضوية ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منها في الآخر وإتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد، وأوضح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الوشيجة في حديث رواه ابن عساكر عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ” ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ” وقال في حديث أخرجه الإمام أحمد مسنده: ” إنما النساء شقائق الرجال “.
والتدرج في التنظيم الاجتماعي هو الأسلوب المفضل في كل إصلاح أتمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمره الله بإتمامه. وقد اتبع هذا الأسلوب بنفسه في إلغاء المسكرات التي كان تناولها عادة متصلة مستحكمة من عادات الجاهلية.
ومن الطريف أن الإسلام لم يقل في الخمر قولا شافيا إلا في السنة السابعة للهجرة بعد صلح الحديبية وقيل في الرابعة أو الخامسة.. كأنه عمد إلى تأخير ذلك حتى يصيب المسلمون شيئا من الاستقرار، فيكون أقرب إلى تفهم التعاليم الاجتماعية والعمل بها في المجتمع الناشئ الجديد.
ولكي يعـالج الإسلام إدمان المسكرات بالحكمة والموعظة الحسنة، آثـر أول الأمر أن يقر ببعض منافع الخمر إلى جانب المضار، موجها أنظار أصحابها إلى غلبة الإثم على النفع، والشر على الخير في قوله تعالى في سورة البقرة ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾(219). خمر حرم على المسلمين الصلاة وهم سكارى، ليضع حدا لمعاركهم القولية والفعلية، ولضياع صوابهم حتى وهم يصلون فقال جل ذكره في سورة النساء: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾(42) وبعد أن ضيق عليهم فرص السكر، وحرك منطقهم التشريعي الفطري، وبصّرهم بمضار شرب الخمر ، حرم هذه الآفة تحريما حاسما ، فقال عز وجل سورة المائدة (94): ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والمسير والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والمسير ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ ﴾. وهكذا تدرج الإسلام في التنظيم الاجتماعي والإصلاح الخلق والتربية النفسية بما كفل لمجتمعه الاستقرار وحصنه من عوامل الفساد.
الأثـر الاقتصادي
ربما بدا لبعض الباحثين ولا سيما المستشرقين أن الإسلام انتشر أوسع ما انتشر بفضل العوامل الاقتصادية، إذ وقع على الطبقات العامة الفقيرة قبل هذا الدين ظلم كثير وعسف مبين. ألا يدركون هؤلاء أن اضطهاد الطبقات الغنية للفقيرة كان سائدا في العالم كله قبيل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وليس في بلاد العرب وحدها. والفقراء الذين اعتنقوا الإسلام في مطلع فجره لم يجدوا الظروف المواتية للعمل على نشر الإسلام لأن معظمهم كانوا من الأرقاء المستضعفين وإنما انتشر هذا الدين القيم على أيدي جماعة من أغنياء قريش في مكة وعلى أيد نفر من أغنياء الأنصار في المدينة المنورة لأن هؤلاء وأولئك كانوا بيسارهم وأموالهم وجاههم أقدر على حماية الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى الأعداء.
ولئن أتى الإسلام بتشريعات اقتصادية خطيرة غيرت فلسفة الإنسان الاقتصادية، فما خضع في ذلك لمؤثرات اجتماعية أو سياسية، وما أحلَّ في سبيل ذلك الحقد الطبقي محل الاستغلال الطبقي، وإنما كانت تعاليمه في كل ذلك وحيا مبينا يشرع لبني الإنسان ما فيه مصلحتهم، ضامنا لهم نفقات التكافل الاجتماعي، مصلحا ما أفسده الإنسان لأخيه الإنسان.
وبهذه الآثار الحميدة في الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد كوّن الإسلام خير أمة أخرجت للناس، وزينها كما قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه ” النظم الإسلامية ” بنظم وتعاليم بوّأتها من حضارة الإنسان أعلى ما كان لأن تلك النظم امتازت بالشمول، فلم يعد جانب منها على جانب، ولم تضخم ناحية على حساب النواحي الأخرى، بل كانت جميعا متناسقة فيما بينها تناسق الكون والحياة والإنسان.
لقد أرسل الله رسوله رحمة للعالمين، رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون. وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين.
إن المنهج الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة. ولقد جـاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي: جاءت كتابا مفتوحا للعقول في مقبل الأجيال، شاملا لأصول حياة البشرية التي لا تتبدل، مستعدا لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير.
ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة. وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها دون اصطدام بأصول المنهج الدائم القويم. وكفل للعقل البشري حرية العمل بكفالة حقه في التفكير وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر كما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض.
لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافيا لتلتقي في عقيدة واحدة نظام اجتماع واحد وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يوم ذاك. والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد.. ولكن ها هي البشرية تحاول أن تقفوا خطى الإسلام فتتعثر في الطريق، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج ولو في الدعاوى والأقوال، وإن كانت ما تزال أمما في أوروبا وأمريكا وإفريقيا وأسيا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ بعثة الرسول الكريم إلى العالمين.
ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات، وتجعل لكل طبقة قانونا، بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع.. فكان غريبا على ضمير البشرية يوم ذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم لمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء، ولكنها ها هي ذي شيئا فشيئا تحاول أن تصل ولو نظريا إلى شيء مما طبَّقه الإسلام عمليا منذ ظهوره بأنواره.
وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إنما أرسل رحمة للعالمين من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة شاعرة أو غير شاعرة، وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة، لمن يريد أن يستظل بها ويستروح فيها نسائم السماء الرخية وفي هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام. وإن البشرية اليوم كما قال الإمام الشهيد سيد قطب رحمه الله: لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها وهي قلقة حائرة شاردة في متاهات المادية وجحيم الحروب وجفاف الأرواح والقلوب.
نسألك اللهم علم الخائفين وإنابة المخبتين وإخلاص المقينين وشكر الصابرين وتوبة الصديقين آمين.