بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
على إثر الهجرة النبوية
إن مسألة تنظيم الإسلام للحياة الاجتماعية في جوانبها المختلفة بدأت في عصر مبكر، وكانت نتيجة للوحي القرآني ولوقائع السيرة النبوية العطرة أكثر مما كانت ثمرة للاجتهاد النظري الفقهي الذي اتسعت آفاقه على تعاقب الأيام.
ومدلول التبكير في ظهور هذه النظم يزداد وضوحا إذا أكدنا أن الدولة الإسلامية لم تولد بعد الهجرة بل إثر بيعتي العقبة. وقد حدثت الأولى قبل الهجرة النبوية بسنة وثلاثة أشهر وحضرها اثنا عشر رجلا من أهل المدينة، وكانت الثانية بعد ذلك بعام واحد في موسم الحج وحضرها ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان وثم التعاقد فيهما على وضع أسس المجتمع الجديد من توحيد الله عز وجل وعمل صالح ومكارم الأخلاق وعلى الطاعة في المعروف والمجاهدة بالحق والتضامن في الحرب والسلم: فلقد جاءت تباشير النصر من المدينة المنورة التي أصبحت بما وفد منها من وفود، موطن الإسلام ومستقر دعوته الخالدة، ومركز التحول في تنظيمه السياسي والاجتماعي ثم كانت الهجرة النبوية المباركة تجسيدا لهذه التنظيمات بمعناها الشامل الواسع الذي زادته الوقائع تفصيلا وتوضيحا: إذ أتيحت للجماعة الإسلامية أن تنتقل مجاراة لتطور الحوادث، من المرحلة النظرية إلى المرحلة العملية.
ومن هنا نستنتج أن الحياة الجديدة في المدينة على كثرة ما استدعت من تنظيمات وتشريعات لم تكن إلا امتداداً لحياة الجماعة الإسلامية في مكة المكرمة، وإنما كان جو المدينة أكثر ملاءمة للتشريع ولإظهار الحركة السياسية والاجتماعية والعسكرية في شكل جديد. وذلك ما حمل المستشرق ” جب ” على التصريح بالحقيقة التاريخية التالية: ” إن تصور محمد لرسالته لم يعتره تحول ولا انقلاب، وإنما ظهرت الحركة الإسلامية في المدينة بصورة جديدة من الناحية الشكلية، يوم نشأ في يثرب مجتمع قائم بذاته، منظم على قواعد أساسية تحت قيادة رئيس واحد “.
الأثر الديني لقيام الحكومة النبوية
ولقد ترتب على قيام الحكومة النبوية في المدينة آثار بعيدة المدى في الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد، ولعل الأثر الديني كان أعمقها وأبقاها، إذ قضى الإسلام على الوثنية التي عجزت مختلف العقائد السابقة عن إضعافها في بلاد العرب، ودعا إلى عبادة إله واحد هو رب العالمين، لا إله قبيلة معينة أو شعب واحد مختار. وبنى أركانه على أعمال طاهرة تشعر الإنسان بعاطفة التدين الصادق كالصلاة في تدبير وخشوع والزكاة مع رعاية التكافل الاجتماعي والصوم والحج بمعانيها الاجتماعية والروحية.
والصلاة فرضت منذ بدء الدعوة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيمها مع زوجته الطاهرة أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي حتى فرضت الصلوات الخمس بعد أعوام في حادثة الإسراء والمعراج التي جاءت معجزة باهرة للرسول صلى الله عليه وسلم تكرم بها الله سبحانه على محبوبه ليفرج عنه كرب الدعوة و بلائها ويعزيه لفراق زوجته خديجة وعمه أبو طالب في عام واحد، ولم يُعرف الآذانُ دعوةً إليها إلا بعد انتقال النبي الكريم إلى المدينة حين وجد المسلمون متنفسا لأداء الشعائر الدينية، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بلال أن يؤذن بالناس للصلاة بصوته الحلو الندي والصلوات الخمس المكتوبة دعت المسلمين إلى بناء المساجد فبنى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة مسجدا في إحدى ضواحيها ” قباء ” ثم بنى مسجدا جديدا لدى دخوله المدينة المنورة نفسها كما جاء في مقدمة ابن خلدون رحمه الله ، ومن الطريف أن عدد المساجد التي بنيت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ تسعة مساجد ، وأن أكثرها أتخذ مدارس للتعليم على أن هذه المساجد كانت خالية من الزخرف لأنها بنيت لتكون مواضع عبادة . والإسلام يفضل من تلك المواضع المطهرة أن تكون إلى البساطة أقرب لتنفح القلوب بمعاني الورع والخشوع.
ولا ريب أن بين الإسلام والأديان السماوية تشابها في كثير من التعاليم ومكارم الأخلاق وذلك ما يؤكده الإسلام الذي يصرح بأنه لا يفرق بين أحد من الأنبياء وبأنهم جميعا يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحد إلا الله. وأن أتباعهم يؤلفون أمة واحدة تعبد الله وحده وأن ما أصاب من تحريف لابد أن يكون من شروح الأتباع من العلماء والأحبار، فلا يد فيه للأنبياء والمرسلين حسب تعبير الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله.
الأثـر السياسي
كانت بلاد العرب من الناحية السياسية مهيأة لتقبل الإسلام، فالحكومات فيها قد انهارت وقامت على أنقاضها حكومات جديدة أنشأت تستمد نفوذها عن خارج شبه الجزيرة، والحكومات من حولها خضعت بدورها للأجانب بعد أن كانت قبل خاضعة للعرب، فكان هذا كله إرهاصا طبيعيا لتقبل الإسلام بأي نظام سياسي يفرضه على قبائل العرب التي ملت حياة الـحروب وبدأت تَتُوق إلى الاستقرار.
ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته الجليلة دخل الناس في دين الله أفواجا، حتى عم الإسلام جميع أنحاء الجزيرة العربية. ووضع النبي الكريم منذ هجرته إلى يثرب النواة الأولى للحكومة الإسلامية وحصَّنها بالمبادئ العادلة السامية التي تكفل لها الاستقرار. وكان عليه الصلاة والسلام رأس هذه الحكومة التي بدأت شورية من يومها الأول عملا بقوله تعالى ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ وقوله ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾.
ولعل أول مركز أتخذه الرسول الكريم لحكومته هو المنطقة المحيطة بقُليب بدر تنفيذا لرأي أحد صحبه الشبان المتحمسين. وطفق عليه الصلاة والسلام يقوم بمهمات الرئاسة، فيؤم المسلمين في الصلاة ويقودهم في الحرب ويصلح بين المتنازعين منهم ويقسم بينهم الغنائم والفيء والأنفال، واتخذ كُتَّابا يملي عليهم ما ينزل عليه من الوحي ولم يتخذ للجنـد سجلات، فما كانت الحاجة ماسـة بعد إلى الدواويـن. وقد تمت لحكومة الرسول صلى الله عليه وسلم معالمها حتى أمست حكومة العرب كلها يدين لها الشرق والغرب.
وبلغت دعوة الإسلام أطراف الجزيرة النائية فأمَّر عليه الصلاة والسلام بعض صحبه الكرام بتعليم الناس مبادئ الدين الحنيف، وعهد إلى آخرين بجمع العشور من البلاد التي دخل أهلها في الإسلام. وكانت الروح القبلية متأصلة في بلاد العرب، وما كانت إلا لتزداد قوة ورسوخا بتأثير الشعراء حين يهجون أو يمدحون أو يفخرون، فتكون أبياتهم أشد فتكا من السهام. لذلك لم يَفُته عليه الصلاة والسلام أن يبني الإخاء الإسلامي أقوى بناء وأخلده للقضاء على العصبية القبلية فكان حتى وهو على فراش الموت يدعو القوم للتآخي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وبعبارة أخرى نقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجه عنايته منذ قدم على المدينة إلى تسهيل سبل العيش على المهاجرين الذين تركوا أموالهم في مكة، ودعا الأنصار إلى مساعدتهم كما آخى بينهم وبين الأنصار، وكانوا يتوارثون بهذا الإخاء إرثا مقدما على القرابة ثم نسخ بحكم قوله تعالى أواخر سورة الأنفال: ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾.
وكان لفرض الزكاة على المسلمين بعد مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة أثر كبير في تحسين حال المهاجرين.
وقد عمل الرسول الكريم على توحيد كلمة المسلمين فلم يمض على وصوله إلى المدينة المنورة غير قليل، حتى جمع المهاجرين والأنصار وآخى بينهم وجعل الرابطة الإسلامية فوق العصبيات. ثم جمع المسلمين واليهود من سكان يثرب وكتب بينهم كتاباً هو بمثابة حلف أو عهد، وأقرّهم على دينهم وأموالهم ولعلّه في لغة هذا العصر دستور، بل أول دستور من نوعه عرفته العرب، وبه نشأت السلطة العامة العليا، التي تولاها الرسول صلى الله عليه وسلم بإلحاح أهل المدينة وبإجماعهم عليه.
قد ينكر بعضهم صحة هذا الكتاب، لأنه لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة، ولكن كثيرا من كتب الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد في كتب الحديث، وإنما ورد في كتب التاريخ، وسواء أصحت الألفاظ التي تضمنها هذا الكتاب أم طرأ عليها شيء من الزيادة والتعديل، فذلك لا يضعف قيمته، لأن الأمر الذي يعنينا كما قال الدكتور منير العجلاني في كتابه ” عبقرية الإسلام في أصول الحكم ” هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع أهل يثرب والمهاجرين وأقام بينهم حلفا، وجعلهم أمة واحدة، وأنهم فوضوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم السلطة والزعامة، وأنه عرفهم بواجباتهم ” المدنية ” بوصفهم “مواطنين ” يتناصرون ويتوفر بعضهم على حرمات بعض، ويقومون جميعا على من بغى وظلم ولو كان الظالم منهم ، وإذا حاربوا حاربوا جميعا، وإذا سالموا سالموا جميعا، ولم يجز لقبيلة منهم أو أفراد معدودين أن يعقدوا ” صلحا منفردا “. وإذا قتل أحدهم إنساناً قُتل به، وليس لقبيلته أن تحميه وتتعصب له، لأنه خرج بعمله على نظام المسلمين كلهم، ويجب على المسلمين كلهم أن يقوموا عليه ويثأروا منه.
ومن أعجب الأمور أن زعامة النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتضها فحسب المهاجرون والأنصار من الأوس والخزرج الذين فشا فيهم الإسلام، وذلك أمر طبيعي، بل ارتضها أيضا اليهود. وقد تكفل لهم هذا ” الدستور ” بحريتهم الدينيـة وجعلهم حلفاء للمسلمين، يحاربون من يحاربونهم، ويسالمون من يسالمونهم ويحتكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل حدث أو شجار يخاف فساده. وفتح الطريق للراغبين منهم في الإسلام وكفل لهم التمتع بما للمسلمين من حقوق ولكن سرعان ما انقلبوا على أعقابهم فأصبحوا يتحالفون مع المشركين ويتربصون الدوائر بأهل الإيمان، الأمر الذي أدى بهم إلى أن يخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وإلى أن يطردوا مدحورين من كل رحاب المدينة المنورة جزاء نقضهم للعهود والمواثيق كما هو دأبهم على مر الأجيال. وإلى هذا الخزي يشير القرآن الكريم بقوله في سورة الحشر: ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ﴾( 3/4 ).
وهكذا أوجد الرسول صلى الله عليه وسلم السلطة العامة التي لم تعرفها العرب من قبل، وأنشأ الدولة التي تجمع في حضنها المسلمين وغير المسلمين، وتضمن لهم حرية العقيدة وكرامة الحياة، وحرمة الجوار، وحق الأخوة والتناصر. وقد مضى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذا في توسيع رقعة الدولة بنشر الدعوة في جزيرة العرب وما وراء الجزيرة. وقد استطاع عليه الصلاة والسلام خلال سنوات قليلة أن يوحد كل عرب الجزيرة ويدخلهم في الإسلام. وأما أهل الكتاب فقد أقرهم على دينهم وفق المبدأ القرآني ﴿ لا إكراه في الـدين ﴾.. على أن يؤدوا للدولة الفتية جزية على شكل ضريبة من أجل حماية نفوسهم وأموالهم .. ولولا غدرهم كما قلنا لما أخرجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من أملاكهم وجناتهم. ولو امتدت حياته صلى الله عليه وسلم لتمت على يديه كل الفتوحات العظيمة التي قام بها خلفاؤه من بعده..
لقد كان الفيلسوف الكبـير والكاتب الفرنسي السويسري يقول: ” إن البشر انتقلوا من حال الهمجية والعزلة إلى حال الحياة الاجتماعية باتفاقهم ورضائهـم أو بما كان يسـميه ” العقد الاجتماعي “، وإن كان غير مكتوب “. ورد بعض العلماء على نظرية “روسو” قائلين: ” إن الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يُعرف عصر كان فيه البشر معزولين بعضهم عن بعض، يعيشون كما تعيش الحيوانات الوحشية ثم تعارفوا وتعاقدوا على الحياة المشتركة والخضوع إلى سلطة واحدة “. ولو أن “روسو” قرأ أخبار الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة لرأى فيها دليلا على صحة نظريته، مع تعديلها قليلا بحيث يقال: إن البشر الذين كانوا يعيشون في مجتمعات قبلية استطاعوا أن يتحولوا إلى ما يشبه الدولة العصرية بعقد اتفقوا عليه.
وإذا أمعنا النظر في صحيفة يثرب نجدها تكشف لنا عن العمل الكبير الذي اتمه النبي صلى الله عليه وسلم بتوحيده قبائل المدينة وجعلها أمة واحدة، لها حَكم أعلى هو الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم.. ولكن هذه الصحيفة لا تكفي وحدها في إعطائنا صورة واضحة عن السلطة العامة التي كانت تدير الأمور في المدينة، ومن الحق أن نقرر أن هذه السلطة العامة لم تستكمل عناصرها فجأة ودفعة واحدة.. وإنما تم ذلك تدريجيا، شأن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أعماله المباركة …
كان أول ما أنشأه النبي في المدينة من أجهزة الإدارة جهاز الكتاب، يكتبون له الوحي والرسائل إلى الملوك والحكام والناس. وكذلك نظم أمور الجيوش الغازية وما يتبع ذلك من قسمة الغنائم وأناب عنه في الصلاة بالمسلمين من يقوم بها خلال تغيبه في غزوة أو غير ذلك. ولما تم للنبي صلى الله عليه وسلم فتح بلدان متباعدة، أرسل إليها عمالا يعلمون الناس الدين ويقضون بينهم وفق أحكام الشرع ويقبضون الزكاة ويؤمون الناس في الصلاة.
لقد أوجد النبي صلى الله عليه وسلم السلطة التنفيذية، فكان يجبي الصدقات، ويقود المعارك ويوزع الغنائم ويولي الأمراء. ثم أوجد السلطة القضائية، فكان يحكم بين المتخاصمين وكان حكمه ملزما، وأما السلطة التشريعية التي تسن للناس قواعد السلوك في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية… فقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفرضها على الناس فرضا بفضل سنته الفعلية والقولية والتقريرية في سائر مجالات الحياة.
وهكذا أخضع الرسول الكريم الناس لسلطة عامة، لا عهد لهم بها. وهذه السلطة العامة هي ما نسميها اليوم بالحكومة.. ولولاها لبقيت العرب قبائل متناحرة. ثم عزز هذه الحكومة الفذة الفتية “بمجلس الشورى” الذي يتألف من أحد عشر صحابيا وهم: حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال رضوان الله عليهم أجمعين.. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على مشورة أصحابه إلا في أمر فصل فيه الوحي فصلا نهائيا.. وذلك لا للاهتداء برأيهم فله عليه الصلاة والسلام من رأيه الملهم ما يغنيه عنهم، هذا في الحقيقة، ولكنه يريد أن يدربهم ويعلمهم فضل الشورى امتثالا لأمره تعالى في سورة آل عمران: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾(159).
هكذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم حياته في الحكم، كان لا يولي أمور المسلمين إلا الأكفاء القادرين الذين يجمعون إلى الأمانة، المعرفة والقوة. وقد سأله يوما أبو ذر رضي الله عنه أن يوليه إمارة وكان مكانه من الرسول مكانه فأجابه: ” يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها “. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من ولى من أمر المسلمين شيئا فأمَّر عليهم أحدا محاباة، فعليه لعنة الله “.
وكان صلى الله عليه وسلم يبالغ في أخذ الأمراء بالعدل وكان يقول: ” أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر”. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: ” ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته “.. ويقول أيضا: ” ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجـنة “. وكان عليه الصلاة والسلام يطلب من الأمير أن يحوط رعيته دائما. وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: ” من ولى من أمر المسلمين شيئا ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته فليتبوأ مقعده من النار”.
وكان صلى الله عليه وسلم ينصح للأمير أن يتخير معاونيه من الرجال الصادقين بقوله: ” إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكره لم يعنه”.
وكان عليه الصلاة والسلام يحذر الأمراء من بطانة السوء ( أهل النميمة والوشاية ) فيقول: ” ما بعث الله تعالى من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليـه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعـالى”. وكان صلى الله عليه وسلم يطلب من الموظف المسلم الأمانة التامة. وقد لعن الراشي والمرتشي. وكان يقول: ” من استعملناه على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة.”
هذا قليل من كثير من الأدب الخالد… ومهما تتعاقب الحكومات ومهما تختلف الأوقات فإن هذا الأدب النبوي يبقى مثلنا الأعلى ما يتغير ولا ينبغي له أن يتغير.. وما عزة المسلمين إلا في الرجوع إليه.
ولما استقر الأمر للرسول بالمدينة كتب الله على المسلمين الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وذلك في السنة الثانية للهجرة المعروفة بسنة نصرة المسلمين ببدر الكبرى على الكفار، بقوله تعالى في سورة البقرة ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيء وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيء وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾.
وأول غزواته صلى الله عليه وسلم غزوة بدر الكبرى حيث ارتفعت راية الإيمان على راية الشرك ثم تلتها غزوات وسرايا أخرى.. إلى أن تكرم الله على رسوله بفتح مكة المكرمة.