Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

خواطر من واحات الأنس

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

المفتاح الخامس

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا والخطاب لكل الناس فالحلال الطيب نافع للجميع إذا أخذوا به وتركه ضار للجميع.. فالميتة هي غير مذبوحة مملوءة بالجراثيم والأمراض لأن دمها لم يُسْفَح بالذكاة المطهِّرة ولو أمعن الكافر نظره في الحرمات لوصل إلى أن كل ما حرمه الله ضار خبيث وما أحله طيب نافع.. وكيف يطاع إبليس وقد تجرأ بمخالفة ربّه وعصيانه منذ خلق آدم عليه السلام.. فلا طاعة لمخلوق في معصية الله.

إن الناس يقلدون عادة آباءهم أو جيلا سابقا عن جيلهم. فالأطفال يقلدون آباءهم وأمهاتهم في حركاتهم فتنشأ عندهم أخلاط من الحركات لأجيال مختلفة، يقلدون آباءهم وأجدادهم وأمهاتهم وأخواتهم إلخ… فالجد ينتقل من عالم الحركة إلى عالم القيم فإن لم يكن مصلي فإنك تراه يقف أمامه كأنه يصلي مقلدا لحركاته فحسب… فهذا التقليد غريزة طبيعية ولكن إذا أنزل الله منهجا فعلى الخلق الإتباع بواسطة رسل الله فبعنادهم يقولون بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا” وهذا تبرير كذب والتقليد يقتضي عدم إعمال العقل والفكر في آيات الله وهذا ممنوع شرعا ورحم الله الإمام اللقاني حين قال:

وكل من قلد في التوحيد       إيمانه لم يخل من ترديد..

ويرد عليهم الحق:  أو لو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون “، كيف يُتّبع من لا يعقل ومن ضل عن الطريق المستقيم… فتقليدهم ذريعة لأنه يوافق هواهم.. فالطاعة العمياء لا تكون إلا لمنهج السماء الذي لا يعتريه نقص ولا عيب ولا تناقض.. فقضية التقليد إذا قضية ملغية.. فالله برحمته وفضله لا يكلف إلا إذا كان لك عقل وبلوغ وإدراك وكنت غير مُكرَه، فمن طبيعة العقل الفطرية الناضج أن يهتدي تلقائيا إلى التوحيد الخالص.. فآخر مَلَكَة تتكون في الإنسان هي مَلَكة الغريزة، أي فهو قادر على أن ينجب مثله وذلك بالبلوغ وربط هذه الغريزة بلذة التي هي الدافع للنّسل والتزويج ويتهيأ بذلك إلى القوامة ومسؤولية العائلة الجديدة فإذا كنت بالغا تمتعت بذاتية فإذا لم تتبع أباك في اللبس والأكل وتستقيل بذاتيتك وتريد أن تقلد أباك في العقيدة، فهذه ذريعة فاسدة كاذبة. وفي آية أخرى قال تعالى في سورة المائدة: ” وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول (أي ارتفعوا إلى منهج السماء وانسلخوا عن الأرض وأثقالها) قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا“.. وهنا نفى عنهم الإتباع بالكلية وهو أقسى من الذي ورد ذكره في آية البقرة حيث أعطى للعقل دوره المنوط به. ولهذا عدَلَ عن “اتّبعوا” إلى “تعالوا” فنحن لا نقولها جزافا بل هي محسوبة وبدقّة كافية “حسب يحسب – عدَّ يعُدُّ” “حسِب يحسَبُ، ظنَّ يظنُّ “عملية حسابية قال تعالى: “الشمس والقمر بحسبانالدقة المتناهية فإذا حصل فيه خلل فسَد الكون كله… تقول قرأ قراءة من كل كتاب وإذا قلت قرأ قرآنا وقرآنا مصدر لقرأ لكن لا يشمل إلا القرآن الكريم  فقط لا مطلق القراءة… وهناك حسبان ومحسوب يحسبان قال تعالى: “والشمس والقمر حسبانا” أي الحسبان ذاتية فيهما، في آية المائدة قال حكاية عنهم: “ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا أولو كان آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدونأبلغ في عدم الفهم … أكثر من أولو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون“. “اتبعوا… بل نتبع… لا يعقلون” فكل آية منسجمة مع كل حالات الرد “تعالوا…حسبنا…لا يعلمون”   والرد على الرد من الله.

وهدى السماء لا يختلف عقلا ولا علما.. وقوله تعالى “وإذا قيل لهم” يتضمن كل قول من أي نبي أو رسول منذ سيدنا آدم عليه السلام… قال تعالى: “ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء…. “. كان صوته صوت البهائم: هناك راع وبهائم ترعى وصراخ من الراعي يلفتها إلى ما يريده ولا يُفصِحُ عن العملية نفسها فينبه الماشية بصوت يجعلها تلتفت إلى ما يريد، فالماشية لا تفهم إلا الدعاء والنداء ولكن لا تفقه لماذا يدعوها الراعي.. فالرسول حين يدعو كالراعي بخلاف راعي الماشية، يوضح لهم منهجه وماذا يريد منهم.. فالجاحدون لم يفقهوا المدعو إليه فهم كالحيوان لا يفهمون إلا دعاء ونداء… “صم بكم عمي فهم لا يعقلون.. صمٌّ لا يسمعون ولا يفقهون منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وبكم لا ينطقون بكلمة التوحيد ولا يعقلون.. فهم أشر من الدواب وأضل من الأنعام…

فالذي يسعى بين علياء الربوبية وذل العبودية يفر منه الشيطان كما يفر الصحيح من المجذوم أرأيت كيف مدح الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا عمر رضي الله عنه حين قال له “ما سلكت فجا يا عمر إلا وسلك الشيطان فجًّا غير فجّك. والحدث إما قول أو فعل وكلاهما عمل قال تعالى” لم تقولون ما لا تفعلون “… والقول والفعل معا من العمل.

فأنت في الأرض خليفة الله فلا تغتر إذا أطاعك الكون وامتثَلَ لأوامرك أو تظن أنك في الكون أصيلا بل هو سبحانه وتعالى سخر لك الكون ما دمت أنت عبدا له وممتثلا لأوامره ومطبقا في الأرض منهجه وإلا انقلب عليك كل شيء.. فسبحان من يعلم السّر وأخفى والجهر والإخفاء عنده سواء فهو يعلم سبحانه السرّ إذا قلته لغيرك والسرّ إذا أخفيته في نفسك ويعلم قبل أن يصبح لك سرّ هو في نفسك.

فكلمة سبحانك تنزيه عال أعلى من كل أنواع التنزيه وما سواه سبحانه مُحدَث ويفنى ولهذا صرف سبحانه كلمة التسبيح عن سواه فلا يقال لأحد من الخلق سبحانك أبدا… أنا أنزهك وتنزيهي إياك نعمة أنعمت بها علي وبحمدك نزّهتك سيدي ومولاي.

قال تعالى: “يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيّبا” وفي آية أخرى يقول: “يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم“. وحينما يخاطب الله المؤمنين يبيّن لهم الأحكام.. كل مخلوق خلق بحكمة الله تعالى، مثلا خلق الله الثعبان والحشرات السامة فسخرها للإنسان ليستخرج منها سمّها ويجعلها ترياقا للأسقام والكل مخلوق لمهمة وحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.. فالطائر الصغير يحتاج إليه التمساح في نظافة أسنانه وكل شيء مخلوق مرتب ترتيبا…

قال تعالى في سورة الأعلى: “والذي قدر فهدى ” فكلاهما ينتفع بصاحبه.. الميّت ← ينتهي إلى الموت ولو كان حيا قال تعالى: “إنك ميّت” (أي ستموت) ومَيْتَ: “وما الميْتَ إلا من إلى القبر يُحْمَل”.. مات فعلا والمراد هنا الحيوان الذي مات حتف أنفه ويحتبس فيه الدم فاحتباس الدم فيه يسبب أمراضًا فتاكة ولما فيه من جراثيم فتلك هي من حكم تحريم الميتة بأنواعها.. فإذا ما ذبحنا الحيوان تطهر من كل الجراثيم، كل دمه ينزل بخبثه.. وأما إذا كان ميتا فالدم فيه بخبثه ومن أكله، أكله بخبثه وضرره. لست مسؤولا أن أجيب لماذا أن الله حرّم الميتة ويكفيني أن الله حرّمها فالقضية تعبدية وعلة قبول الحكم صدوره من الشارع الحكيم فإيمان المؤمنين لا يكون رهنًا لحكمة ما أحل الله أو ما حرّمه.. فالسمك ميت وهو مباح… الكبد والطحال  دمان، والسمك والجراد: ميتتان حلال.. وللعُرف تخصيص: قالوا إذا كثر الجراد رخص اللحم فالجراد إذا ليس بلحم وكذا الأمر في السّمك لأن ليس له نفس سائلة.. والكبد والطحال ليسا بسائل والسنة لها تخصيص لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان الجراد والسمك وأما الدمان فالكبد والطحال” خلافا للشيعة التي ترى حرمة بعض أنواع الأسماك..

ولحم الخنزير محرّم فالانتهاء منه أمر تعبدي فالمؤمن على يقين أن الله ما حرم إلا ضارا  أو خبيثا ولو لم يدرك كنه ضره.. فهناك أضرار معنوية وأضرار حسية.. قال تعالى: “فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم“.. الخ فهذا ما يقال تحريم التأديب… ويبين العلم الحديث أن في الخنزير دودة شريطية …

وما أُهل لغير الله به ” … أُهل أي رفع صوته بذكر الله.. فصرخة المولود تهليل بالله تعالى وهذه صرخة الانقطاع، انقطاع مدد أمه وانتظار مدد الدنيا.. ويصرخ إذا لهت عنه أمه واحتاج إليها.. أُهل لغير الله به، وأُهل به لغير الله وهناك فرق، أهل لغير الله به ←ذبح للقربة والأصنام.. أهل به لغير الله←القصد إلى نفع الإنسان أولا.