بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
حتى يغيّروا ما بأنفسهم
قال الله تعالى : إِنَّ الَّله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد 11)
سبق أن كتبنا في هذه الآية الكريمة كتابا مستقلا وأصدرناه منذ عامين. ومعناها بإيجاز أن الله تعالى لا يغير ما بقوم من العافية التي هم عليها حتى يغيّروا ما بأنفسهم من الحال الجميلة بكثرة المعاصي.
قال المفسر المرحوم طنطاوي جوهري: ومعلوم أن العكس كذلك فلن تغيّر الأمة من الفساد إلى الصلاح إلا بالتربية العامة في الأمة.
وليس لأمة سعادة إلا بعموم فكرة الإصلاح فيها، وأن يشملها نظام تام وآداب شاملة. وفي الجزائر بدأ الإصلاح في عامة الشعب ببداية ثورة أول نوفمبر، فلم تكن الثورة تعنى بالقتال فقط، بل كانت تعنى بجميع شؤون الترقية للفكر والأخلاق والسلوك، ولما انتهت الثورة بالنصر المبين كان الشعب الجزائري قد تطوّر فكريا وأخلاقيا واجتماعيا، وكان بذلك قد تأهّل للحرية والاستقلال. ومن عرف الإسلام عرف أنه دين التفاؤل، الذي يخدم العمل، فالإنسان إذا كان متفائلا وكان مع ذلك إيجابيا لا سلبيا تنور قلبه، ونشِط فكره، وكان على الدوام حيا، يستثمر وقته في البناء وصنع التاريخ.
وهكذا علمت الثورة التاريخية أبناء الشعب الجزائري كيف ينشرحون للمستقبل ويساقون مع الليل إلى الفجر الجديد، وعلمته كيف يكون صالحا للعهد الجديد، للحرية التي حرم منها قرنا كاملا وربع قرن !
وعندما أشرقت شمس الحرية على الشعب الجزائري كان بعزمه وتفاؤله، وسعة تدبيره وتمرّنه على أساليب الحياة، وتشبعه بالإيمان والصبر، مهيأ للحياة الجديدة، حياة الحرية والاستقلال، فلم يكن هناك تصدع، ولا اهتزاز، ولا انتكاس.
فئة قليلة تغلب الكثير
قال الله تعالى: “إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ الُّله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الِّله وَالُّله مَعَ الصَّابِرِينَ” الأنفال/(66-65.
كنت في مراحل مختلفة من عمري أتساءل في شيء من الحيرة، كيف يمكن لعشرين من المجاهدين أن يغلبوا مائتين أو مائة منهم أن يغلبوا مائتين أو ألف أن يغلبوا ألفين.
ولما أنهيت دراستي وصرت أشتغل بالكتابة شدّتني هذه الجملة القصيرة الوجيزة ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾.
يقول الإمام الرازي في هذه الجملة : «إن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالميعاد فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية، ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرّضها للزوال، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة، وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزنا، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح” !
ثم لما اندلعت ثورة التحرير أول نوفمبر وأعانني الله على خوضها في الميدان العسكري أولا ثم في الميدان السياسي ثانيا، رأيت هذه الحقيقة تتجلّى يوما بعد يوم في كتائب المجاهدين، فرأيت العشرين يغلبون المائتين، وأن المائة يغلبون ألفا من الجنود الفرنسيين، ثم صار ذلك عادة جارية لا تدعو إلى التساؤل أو الدهشة والاستغراب.
وعلة هذا التفاوت البعيد في عدد المقاتلين ما قررته الآية الكريمة “بأنهم – أهل الكفر – قوم يعتقدون أن لا سعادة إلا في هذه الحياة الدنيا، فمن فاتته فيها لم يظفر بها في غيرها، ومن هنا فإنه يضن بحياته ولا يعرضها للهلاك، بخلاف المؤمن بالله الذي يعتقد جازما أن سعادته في الآخرة، لاسيما إذا فاز بالشهادة فإنه يقدم ولا يحجم، ويبتسم للموت كما يبتسم لعروس تزفّ إليه، وقد وقفنا في هذا المجال على صور تنتزع الإعجاب. وهناك مثلا من المجاهدين الأبطال في ثورة نوفمبر من كان إذا تهيأ لخوض المعركة، قال لزملائه :
من يريد أن يوصي إلى قريب له في الآخرة فإني مسافر إلى الآخرة اليوم، يقول ذلك في طمأنينة وارتياح، بل في فرح وابتهاج.
وهناك شيء آخر بجانب هذا الذي يحوّل الإنسان المؤمن إلى عشرة أو أكثر فيواجههم ويغلبهم، وهو الاستعمار القاهر الفاجر، المستبد الظالم.
فالمجاهد الجزائري خلال حرب التحرير إذا تهيّأ لملاقاة العدو في المعركة هاجت في نفسه صور فظيعة كريهة عن جرائم الاستعمار في أرض الجزائر، فمرّت في شريط ذكرياته صور لا أفظع منها مما اقترفه المستعمرون ضد عائلته، أو أقاربه، أو جيرانه، فتتفجّر في أعماقه طاقات من الحقد والكراهية تحوله إلى عشرة أو أكثر، فيقدم في قوة وكله عزم وصبر وثبات، وكل هذا تقرره أو يوحي به قوله تعالى : ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ ويتصوّر القارئ الكريم أبعاد هذا التفاوت في القوة بين المجاهد الجزائري، والجندي الفرنسي بصورة أوسع وأعمق عندما يعلم أن المجاهد الجزائري بسيط في سلاحه، بسيط في ثيابه، بسيط في غذائه، لم يتخرّج من مدرسة حربية شأن الجندي الفرنسي الذي يمتاز عن المجاهد في كل شيء، في السلاح واللباس والتعلم والغذاء، ومع هذا التباين البعيد يكون النصر غالبا للمجاهد البسيط، لأنه القويّ القاهر في معايير أخرى هي المصير في الآخير.
ولهذا التباين في المعايير الحقة تحقق النصر في النهاية، وتطهّرت أرض الجزائر من المحتل البغيض، وعادت إلى محمد وإلى نحبي محمد، وبذلك انطلق النشيد «يا محمد الجزائر رجعت إليك» الاستقلال ولله المنة والحمد.
السر من عند الله وحده
قال الله تعالى : “إِن يَنصُرْكُمُ الُّله فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى الِّله فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ” ( آل عمران 160).
لقد نصر الله تعالى المسلمين يوم بدر، نتيجة طاعتهم لله تعالى، فمن نصره الله وأيّده فلا أحد يخزيه، ومن خذله فلا أحد ينصره. والآية تقرر أن من أراد أن ينتصر في معركة مع عدوه فعليه أن يتقي الله ويطيعه، ويعتمد عليه، ويستمدّ منه العون والتأييد، ويعمل وفق تخطيط محكم يكون نتيجة تدبير، وإعمال نظر قويم.
وهكذا كان مجاهدو الثورة الجزائرية التحريرية ينصرون الله بطاعته بحيث يحرصون على أداء الفريضة، ويحاولون ما استطاعوا أن يقفوا عند حدوده. وأروع صورة تمرّ في شريط الذكريات كلما فكرت في أيام الثورة صفوف المجاهدين في أداء الفريضة، وقد وضع كل واحد منهم سلاحه أمامه وهم منقطعون بأرواحهم إلى ربهم في استقبال القبلة.
فحينما تراهم ي اتجاههم إلى القبلة وهم يستقبلون الموت كل حين تشعر من أعماقك بأن أرواحهم في رحلة نحو الملإ الأعلى يطلبون النصر على أعدائهم، وهم لا محالة منتصرون بهذا الاتصال الروحي وما معه من إمداد قوي، مع الأخذ بأسباب النصر المادي.
وهكذا فالإنسان إذا توكل على الله، ولم يتخذ الأسباب وقع في الحسرة والندامة عندما يخيب ويفوته غرضه، وإذا أخذ بالأسباب وتهيّأ للأمر ولم يتوكّل على الله فإنه يكون عرضة للخيبة.
ولتعلّق المجاهدين بالله تعالى تجدهم تجد منهم من يحمل معه جزءا من القرآن الكريم، أو مصحفا أو من يلتزم بورد من القرآن يتلوه كل يوم.
وأذكر في هذا السياق ذلك المجاهد الذي تخفى في غار فيه نافذة تطل على معركة وقد جعل رشاشته في النافذة تجاه المعركة وكان كلما أطلق رصاصا أصاب غرضه، فأمر الضابط الفرنسي الذي يدير المعركة أن يقنبل الغار فسكت الرصاص، وفي المساء عند انتهاء المعركة صعد الضابط مع جنديين فرنسيين، وعميل جزائري فوجدوا في الغار شيخا في نحو الستين من العمر، فجثا الضابط على ركبتيه، والجنديان والعميل ينظرون فأدخل يده بحذر في قلنسوة القشابية، فأخرج نصف بصلة، وقطعة كسرة يابسة، ومصحفا، وبعد تأمل في المصحف التفت إلى العميل وسأله : هل هو قرآن؟
فلما أجابه بنعم، قال : إن جيشا يكتفي في غذائه بهذين – مشيرا إلى البصلة والكسرة – وفي حياته الإيمانية على هذا – مشيرا إلى القرآن- لن يغلب أبدا.
وقد تأثّر العميل بما رأى فالتحق بإخوانه في الجبل، وإليه يعود الفضل في تسجيل هذه الحادثة.
وخلاصة القول في الموضوع أن المؤمن إذا قويّ إيمانه بالله وكان يرافقه في حركاته وسكناته، فإنه يظل عالي الرأس، رفيع الجبين عزيز النفس، عالي الهمة، قويّ الثبات، قال الله تعالى : ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الَأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.(1)
وهكذا كان المجاهد الجزائري لا يكاد يقضي في الجهاد ثلاثة أشهر حتى يتغيّر من سلب إلى إيجاب، ومن ضعف إلى قوة، ومن سطحية في التفكير إلى عمق فيه، ومن إيمان ضعيف إلى إيمان قويّ.
ذلك لأن الثورة كانت مدرسة لغرس الأخلاق العالية والتفكير الجيد والسلوst القويم.
الإذن بالقتال
قال الله تعالى: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الََّله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الَُّله وَلَوْلَا دَفْعُ الَِّله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الَِّله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الَُّله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الََّله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الَْأرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلَِِّله عَاقِبَةُ الُْأمُورِ” (الحج /39-41)
في هذه الآيات الكريمات أمور تتضح في جلاء بالوقوف عندها :
أولها : الإذن بالقتال للمؤمنين إذا ظلموا، وفي هذه الحال وعد الله بالنصر والتمكين !
ثانيها : في الآيات بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكفّ بوائقهم عنهم.
ثالثها : الإذن بالقتال لأجل أنهم أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا لأنهم آمنوا بربهم واهتدوا بهديه، واستقاموا على نهجه !
رابعها : دلت الآيات على أن الله قضى بعدله أن يحفظ دينه وأهله.
خامسها : ذُكر في الآيات أماكن العبادات، وهي الصوامع للنصارى، والبيع لليهود، والصلوات للصابئين، والمساجد للمسلمين.
سادسها : وعد الله تعالى عباده بالنصر والتمكين إن هم نصروا دينه ونبيه وكانوا على نهجهما إيمانا وعملا.
سابعها : في الآيات دلالة على أن الله تعالى هو وحده الذي إليه يرجع الأمر كله، ولا رادّ لقضائه وحكمه.
وللإمام ابن باديس كلام قيم في تفسيره يجيب عن أسئلة كثيرة يمكن أن يوردها القارئ الكريم عند تلاوته هذه الآيات، وهاكم نصه فيما يلي:
“لما كان المسلمون أهل الإيمان والصدق والشكر والأمانة دافع الله عنهم، وقد شهد التاريخ بذلك من الله لهم، فلما خانوا وكفروا تركهم ومكّن منهم، ولكنه برحمته وعدله لم ينس لهم أصل إسلامهم، فأبقى لهم أصل وجودهم الذاتي، وهم لحم على وضم بين الأمم لا يستطيعون دفعا عن أنفسهم، وأبقى لهم أصل وجودهم الروحي بكتابه المتلو بين ظهرانيهم، رغم إعراضهم عن تدبّره، وهجرهم لما فيه عساهم يرجعون (2)”
وفي ضوء هذه الآيات نتحدّث عن ثورة نوفمبر 1954 ونرى أن الشعب الجزائري لم يعلن عن ثورته هذه إلا بعد أن ظلِم من قبل فرنسا، واشتدّ هذا الظلم وطال أمده حيث حُرم أبناؤه من أرضهم، وأُبعدوا عن ديارهم، وحُرموا من خيرات بلدهم، وعوملوا كالعبيد في وطنهم، وسلطت عليه ألوان من الإهانة، وشردوا وسجنوا.
ولما اندلعت الثورة التحريرية أقسم أبناء هذا الشعب على مواصلة الكفاح حتى يفتكوا حريتهم، ولما رأى الله تعالى أنهم جديرون بالنصر لما قدموا من أجله، ولما التزموا به، من صبر على مشاق الجهاد، واستقامة على طريق الله تعالى، وإقامة موازين العدل في عامة الشعب حسبما تسمح به ظروف الثورة – لما رأى الله ذلك أنعم عليهم بالنصر المبين على فرنسا الظالمة، وقواتها الطاغية.
ومكّنهم في الأرض، وعادوا إلى مساجدهم يقيمون صلواتهم ويؤدون ما عليهم من زكاة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر في حدود الإمكان، ولكي تبقى لهم هذه الحرية، ويدوم عليهم ما هم فيه من نعم الله تعالى المادية والمعنوية، عليهم أن يجمعوا قلوبهم على عبادة الله، وحب الوطن والعمل الدائم من أجل الكمال الممكن في هذه الأرض.
وسنقدم في ضوء الآيات ما قدمناه في بعض كتبنا الصادرة قديما لمناسبته لهذه الآيات، مما يرفع الستار بوضوح وجلاء عن هذه المحطات :
– أيام حاسمة قبل اندلاع الثورة.
– الشعب الجزائري قبل يوم 1 نوفمبر .1954 – كيف اندلعت الثورة 1 نوفمبر .1954
– نوعية المجاهدين الأوائل وسلاحهم.
بعد أحداث 8 ماي 1945 أدرك الشعب الجزائري في عمق ووضوح أن الطريق الوحيد الذي تعيّن عليه أن يسلكه إلى تحقيق مصيره، هو الكفاح المسلّح رغم ما يكلّف من تضحيات، وما يجرّ من ويلات، وما يصحبه من مشاق ومتاعب !!
– أيام حاسمة قبل اندلاع الثورة :
ولقد كان الوضع السياسي في الجزائر قبل اندلاع ثورة نوفمبر الخالدة متأزّما للغاية لا يتوقّع العاقل البصير اندلاع الثورة فيه، ولكي يتصوّر القارئ الكريم هذا الوضع تصورا عميقا صادقا ندع أحد أعمدة السياسة في الجزائر وأحد المناضلين الأبطال المرحوم كريم بلقاسم يصوره في مقال نشرته «المجاهد» اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني الجزائري بمناسبة الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة التحريرية، ولطول المقال فإننا نكتفي بفقرات منه، قال رحمه الله بعد أن تحدّث عن التزوير الانتخابي سنة 1948 وعن عجز القادة الذين يتكلّمون باسم الشعب أن يخرجوا البلاد من المأزق الذي آلت إليه :
“إن الأحزاب السياسية قبل نوفمبر 1954 بدلا من أن تفتح آفاقا جديدة أمام الشعب الجزائري وتقوده إلى الكفاح – بقيت بالعكس من ذلك واقعة تحت كابوس حوادث 8 ماي 1945 مشلولة عن كل عمل مكتفية بالجمود، وهنا أصبح تجاوزها والاستغناء عنها لا مفر منه، وكان فشل المؤسسات السياسية من ناحية أخرى قد صير من الممكن أن يقوم تجمع وطني واسع تتكتّل فيه العناصر الحيوية في الشعب.
وهكذا تحررت طاقات العمل في ظروف متميّزة ذات طابع خاص، وكانت أزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية، هذه المنظمة التي جمعت القسم الأعظم من القوى الثورية مقدمة لتحرير هذه الطاقات، وعندما لم تستطع التشكيلات السياسية القديمة أن تفهم المغزى القوي لهذا الحادث فإن بداية الثورة وقعت بمعزل عنها إن لم تكن بالرغم منها.”
“كان النزاع الداخلي في حركة الانتصار للحريات الديمقراطية بين اللجنة المركزية ومصالي في أوائل 1954 قد أعاد للمناضلين حريتهم، وكان المناضلون الذين اعتصموا من قبل بالجبال قد شعروا بحقيقة الأزمة وفهموها على وجهها الصحيح – وأغلبهم أعضاء سابقون في المنظمة الخاصة – وتبينوا بسرعة ما يستطيعون أن يستخرجوه من هذه الوضعية الجديدة، فتكوّنت عدة تجمعات في عمالتي الجزائر وقسنطينة ورفض اثنان وعشرون منهم – ومن بينهم وزيران حاليان وهما ابن طوبال وبوصوف – كلا من النزعتين، وكان هؤلاء قد تجمعوا وأصدروا نداء إلى المناضلين لكي يقطعوا عن التنازع فيما بينهم، ويدعونهم إلى النضال المسلح ضد الاستعمار وعيّنوا الأخ بوضياف ليمثل منطقتهم في النطاق الوطني العام.”
وفي الوقت نفسه كان يوجد في بلاد القبائل (3 شخصا من مؤلفي «القسمات» اجتمعوا وقبلوا الأمر الداعي إلى الكفاح المسلح وكان على رأسهم كريم بلقاسم وكان نائبه الأخ أعمران، وتم الاتصال بين الداعين إلى الكفاح المسلح في شهر أكتوبر بعاصمة الجزائر، وحضر هذا الاجتماع ستة أشخاص وهم : ابن بولعيد، وديدوش، وابن مهيدي، وبيطاط، وبوضياف، وكريم.»
وهكذا كان ميلاد «لجنة الستة» التي تحمّلت فورا المسؤولية التاريخية في شن الكفاح المسلح وتنظيمه والإشراف عليه، هذا الكفاح الذي تحوّل فيما بعد عند الشعب الجزائري إلى ثورة عميقة. وما كادت الثورة تندلع حتى كلفت «لجنة الستة» الأخ بوضياف ليلتحق في الخارج بالإخوان ابن بلة و أيت أحمد وخيضر الذين كانوا على اتصال باللجنة، وذلك ليبلغ إليهم القرارات التي اتخذت، وكان هؤلاء الثلاثة بعملهم في الخارج قد لفتوا انتباه الرأي العام الدولي إلى الحالة القائمة ببلادنا ووضعوا بذلك حجر الأساس لتدويل القضية الجزائرية، ذلك أن نشاطهم في الشرق الأوسط كانت تتوقف عليه إعانة الأقطار العربية لكفاحنا.»
«وفي يوم 10 أكتوبر تبنت «لجنة الستة» أعمال البحث والاتصال وإعداد أجهزة الثورة وذلك في شهور جويلية وأوت وسبتمبر 1954 في كامل مناطق البلاد، وكانت قوتهم في الرجال تناهز الثلاثة آلاف شخص، وفي هذا اليوم 10 أكتوبر تقرّر بكتمان صارم أن يبدأ العمل في أول نوفمبر 1954 على الساعة الواحدة ليلا، كما تقرّر في نفس اليوم الاسم السياسي للحركة الثورية التي أخذت بيدها مصير الجزائر، وكان هذا الإسم هو «جبهة التحرير الوطني الجزائرية» التي تكوّنت في الوحدة وفي اندماج كل الإطارات الوطنية الجزائرية، وشملت كل الطاقات الثورية في البلاد.»
«وبعد ذلك بعشرة أيام عقد اجتماع ضبطت فيه مهام القيادة ووقع توزيعها كما يلي : عين ديدوش مراد في شمال قسنطينة، وابن بولعيد في الأوراس، وبيطاط في عمالة الجزائر، وابن مهيدي في مقاطعة وهران، وبلقاسم كريم في بلاد القبائل.»
«وفي شهر أكتوبر 1954 أيضا تفرقت لجنة الستة على موعد اللقاء في شهر جانفي 1955، وفي أول نوفمبر 1954 على الساعة الواحدة صباحا- كما كان مقررا- برزت إلى الوجود الجزائر الحقيقية التي تألمت كثيرا في كرامتها وشخصيتها ومعتقداتها وكيانها المادي.»
هكذا كان الواقع السياسي في الجزائر قبل اندلاع الثورة، وهكذا تمّ الإعداد ليوم أول نوفمبر من مختلف الوجوه، وهذه الفترة التي أضاء جوانبها المناضل كريم بلقاسم رحمه الله مثار أقوال وآراء يقف القارئ الكريم عندها مشتّت الفكر حائرا لا يدري الصحيح منها والفاسد ووضعا لهذه الفترة في صورتها الصحيحة آثرنا نقل فقرات من بيان هذا المناضل رغم طولها.
– الشعب الجزائري قبل يوم 1 نوفمبر 1954 :
ومهم جدا – أيضا – أن يعرف القارئ الكريم وضع الشعب الجزائري قبل اندلاع ثورته التحريرية أول نوفمبر .1954
أول ما نبادر به هو أن الشعب الجزائري قبل اندلاع ثورة نوفمبر كان يتصوّر تخلصه من الاستعمار الفرنسي معجزة إلهية، وليس قضية كفاح وتضحية، وعمّق في نفسه هذه الفكرة : هيمنة الاستعمار الفرنسي على كل شيء في البلاد واستيلاءه عليه بيد من حديد، فكل ما يحدد شخصية الجزائر من مقومات ومعالم وحدود فهو في يد «فرنسا» تتصرّف فيه تصرّف المالك في ملكه إلى جانب التشتت الفظيع الذي كانت تعيشه مختلف الطبقات، بحيث لا توجد جامعة تجمع بين هذه الأطراف وتضمّ هذه الأشتات، فكل في عزلته واتجاهه، وكل في همومه ومحنته، ولا تجد أصدق تصوير للشعب الجزائر في هذه الفترة، ولا أجلى مرآة لوضعه من مقال نشرته «المجاهد» تحت هذا العنوان : «ثورة خلقت شعبا» بمناسبة الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة، وفيما يلي فقرات من هذا الفصل فيها غناء عن جلّ ما كتب في هذا الموضوع :
تحدّث المقال عن عظمة ثورة نوفمبر الخالدة وأنها صهرت مختلف العناصر البشرية في الجزائر وصبتها في بوتقة واحدة هي بوتقة الثورة، ثم قال : «لقد وجدت الإدارة الفرنسية من طول الوقت ما يكفيها لتقضي على اللحمة التي تربط أبناء الأمة الواحدة بروابط التعارف والتساكن في الحياة، وليست هجرة أبنائنا الذين يعملون في فرنسا بعدد ضخم إلا صورة كبرى من العزلة التي يعيشها أبناء الوطن الجزائري بعضهم من بعض بسبب الحاجة إلى العيش بما تبقى لهم من إمكانات الحياة.»
«وإلى جانب هذا التمزيق الداخلي المادي والاجتماعي الذي حققته السياسة الفرنسية في الجزائر نجد شكلا آخر وهو التمزّق المعنوي الروحي:
– إن المرأة الجزائرية التي وجدت نفسها مجبرة على أن تعيش في جهات كثيرة مع المجتمع الدخيل الذي كونه الاستعمار الفرنسي في الجزائر ولم تجد إلى جانب ذلك مدرسة وطنية تربط نفسيتها بحضارتها القديمة.
– وإن الشاب الجزائري الذي يعيش نفس هذه المأساة الروحية والذي لا يجد في حياته الثقافية، والاجتماعية، أو السياسية ما يربط بين نزعاته القومية وبين الحياة الواقعية التي يحياها.
– وإن الطفل الجزائري الذي يعيش في حياة التشرد ولا يجد في الشارع أي مظهر من مظاهر قومية بلاده، فلا يعرف علما وطنيا ولا يشاهد بذلة رسمية ترمز إلى السيادة، ولا يسمع بعيد قومي، ولا تلقى أذنه كلمة واحدة عن أجداده وهو على كرسي المدرسة !
– وإن المثقف الجزائري الذي يعيش في الإدارة الفرنسية فيجد كل شيء فيها وكل أجهزتها إنما تتحرّك وتعمل لنفع الجالية الفرنسية واستغلال الجماهير الشعبية من أبناء جلدته !
– وإن الفلاح الجزائري الذي لا يذكر أنه عرف من السلطة الفرنسية روحا من العون على نوائب الطبيعة ولا تحدّثه نفسه بأن له دولة في حمايته من المجاعة، وإنما الصورة الوحيدة التي يحملها في ذهنه عنها هي ابتزاز رزقه بعد أن يكدح في سبيله العام تلو العام.
– وإن التاجر الذي يجد أمامه أبواب البنوك موصدة ويشعر في كل يوم وفي كل حركة أن مجال عمله محدود في نطاق خانق لا يتجاوز التعامل مع أشباهه من مواطنيه في مواد كاسدة ميتة.
– وإن الإنسان الجزائري-باختصار-الذي ظل يعيش أكثر من قرن كامل في مستوى الحضيض من المهانة والاختناق المادي والمعنوي والذي يحمل على كاهله أعباء قرون متطاولة من العبودية والذلة والفقر والعزلة والبؤس..
هذا الجزائري المشتت الهائم في مجاهل التاريخ فقد نفسه ونسي خصاله وشخصيته ومظاهر قوميته وأصبح لا يؤمن بنفسه ولا يثق فيها ولا يتصوّر مجالا للحياة غير الذي ألف في ظل هذه الأمراض.»
ومع هذه الأمراض المختلفة التي ذكرتها صحيفة «المجاهد» والعلل المزمنة التي قعدت بالشعب الجزائري وألصقته بالأرض وشدّته إلى الوراء حتى لا يتحرّst إلى الأمام – هناك شيء بقي على طبيعته في الشعب الجزائري، وظلّ على قوّته ونقاوته ونصاعته ولم يستطع الاستعمار الفرنسي بهزاته ورجاته، ولا بتلويثاته وتشويهاته أن ينال منه، ذلك هو الشخصية الوطنية الجزائرية التي تحطّمت على صخرتها كل مناورات الاستعمار ومحاولاته في المحو والتشويه.
إن الاستعمار الفرنسي كان يظنّ أنه قد قضى على الشعب الجزائري بعد قرن وربع قرن من الاضطهاد والتعسف والحرمان، أما أبناؤه الأحرار، والذين درسوا نفسيته ومقومات أصالته، وأمجاد تاريخه فإنهم يعلمون أن الشعب الجزائري المثقل بالعلل والأمراض في حاجة فقط إلى منبه يوقظه، وإلى دعاة وعاة ينشرون فيه اليقظة الجريئة ويدفعونه في الطريق الصاعد مهما حفّ به من مكاره ومشاق، حتى إذا ما انطلق فيه شعر بقوة، واكتشف أن عضلاته سليمة وأن خطواته قادرة على الصعود !!
وهذا ما وقع بالفعل، فما كادت الساعة تدق أول نوفمبر 1954 تعلن اندلاع الثورة المباركة حتى اهتزّ الشعب الجزائري، وأحسّ بأنه لأول مرة في تاريخه الحديث قد وضع رجليه في الطريق القويم طريق التعبير العملي عن إرادته بالوسيلة الوحيدة الصحيحة التي بقيت بين يديه، هي وسيلة الثورة، ومنذ تلك الساعة أخذت طاقات هذا الشعب تتجمع وتتوحّد لتقف في وجه العاصفة عملاقة ماردة، وارتفع الوعي الثوري عند مختلف الأشخاص فصار كل جزائري وجزائرية يرى أنه مسؤول أمام هذه الثورة، وأن عليه واجبا ثوريا لا بد أن يضطلع به، ويؤمن بالجزائر ويحسّ بها من أعماقه، ويدافع عنها في استماتة بالغة، وقد كان قبل الثورة لا يتمتع بهذا الشعور الوطني، وإنما كان يشعر بأنه من قبيلة كذا أو عائلة كذا لا أكثر ولا أقل، فالثورة الجزائرية صنعته صنعا جديدا، وفجّرت فيه حياة جديدة، ووعيا جديدا.
وإزاء هذا نلاحظ أن الثورة التحريرية حقّقت أمرين هامين: أحدهما: أنها كشفت العالم للجزائر. وثانيهما: أنها كشفت الجزائر للعالم. وبيان هذا بشيء من التفصيل ندعه لصحيفة «المجاهد» إذ تقول : «كان الشعب لا يعرف من العالم إلا فرنسا، بل لا يعرف من فرنسا إلا قبعة الجندرمي وسجون الشرطة.. كان الشعب لا يعرف تونس ولا المغرب فضلا
عن معرفته للعالم العربي برمته.. كان الشعب – وأقصد جماهيره الكبرى- لا يعرف أن هناك دولا عربية مستقلة أو بالأحرى لا يتصوّر استقلالها. أما الثورة فقد مزّقت هذه الحدود الخارجية التي تفصل الشعب الجزائري عن الشعوب الشقيقة، كما مزّقت الحدود الداخلية التي كانت تفصل أبناءه بعضهم عن بعض، وتمكّنت جماهيرنا من الاحتكاك بالجماهير التونسية والمغربية والليبية وحتى المصرية والسورية.»
وكانت فرنسا قد أحاطت الجزائر بسور من حديد فلا يعرف العالم عنها إلا ما سمحت به فرنسا، وكان العالم ينظر إلى الجزائر على أساس أنها جزء من فرنسا، لأن القادة الفرنسيين لم يفتأوا منذ بداية الاحتلال يرددون ذلك ويؤكدونه، ولما اندلعت ثورة نوفمبر تحطّم ذلك الجدار السميك وانكشف الجزائر للعالم، ورآها على حقيقتها، بوجودها الذاتي، وشخصيتها ومكانتها، وليست جزءا من فرنسا كما يدعي أهل الباطل !!
______________________