بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
طواف حول الثورة التحريرية الجزائرية الخالدة
ثورة أول نوفمبر المباركـة:
إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال، والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان. والشر جامح والباطل مسلح، وهو يبطش غير متحرج ويضرب غير متورع، ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه، وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له. فلا بد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم.
ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلا تكافح قوى الطغيان والشر والباطل، اعتمادا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطَر، وعمق الخير في القلوب. فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر.
وللصبر حد وللاحتمال أمد وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه. والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم، ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة إلا ريثما يستعدون للمقاومة ويتهيأون للدفاع، ويتمكنون من وسائل الجهاد.. وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان. وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته قال تعالى “إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور “(الحج /38-41) .
الإذن بالقتال دفاعا عن الحق وأهله حقيقة باقية ببقاء الدنيا ومن عليها، حقيقة ضد كل طغيان وكل جور.. وقد سمع شعبنا الجزائري الباسل هذا النداء مرات ولبى بما استطاع عبر ثورات عديدة وقفت بالمرصاد في وجه الاستعمار منذ القديم إلى أن حان الوقت الفاصل أول نوفمبر 1954. فقد التف حول قيادة رشيدة وقام كرجل واحد رغم ما تعرض له في الطريق من تضحيات جسام بالأرواح والأموال ليحرر الوطن المفدى من أيدي الغاصبين.
فثورة أول نوفمبر المباركة هي ثورة تحرير وتغيير جدري لكل هياكل الاستعمار ومؤسساته وسياسته وإيديولوجياته. لقد حررت هذه الثورة البلاد والعباد عن ربقة الاستعمار الغاشم واستعاد الشعب الجزائري حريته واستقلاله وأرضه وما فيها وما عليها من الخيرات والإمكانات الاقتصادية ومكنته بعد ذلك من تسيير نفسه بنفسه وإدارة بلاده وفتحت أمامه الأبواب على مصراعيها ليبني ويشيد مستقبله السياسي والاقتصادي والحضاري والثقافي، ولم تتحقق هذه الثورة إلا على أشلاء مليون ونصف من الشهداء الذين التحقوا ابتغاء رضوان الله بالذين سبقوهم خلال الثورات السالفة..
وما فاز شعبنا بالحرية والاستقلال إلا أنه كان يـدرك بحالـه وسلوكه حقائق ثابتة ذكرها الله في محكم تنزيله قال عز وجل: “لا يَستوِي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ” (النساء /95-96).
وهذه الدرجة يمثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامهم في الجنة ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، وما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض “. وقال الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: “من رمى بسهم فله أجره درجة ” فقال رجل يا رسول الله: وما الدرجة؟ فقال: ” أما إنها ليست بعتبة أمك ما بين الدرجتين مائة عام “.
وهذه المسافات التي يمثل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحسب أننا اليوم نقدر على تصورها، بعد الذي عرفناه من بعض أبعاد الكون حتى إن الضوء ليصل من نجم إلى كوكب في مئات السنين الضوئية (والضوء يقطع في الثانية مسافة ثلاثمائة ألف كيلومتر) وكان الذين يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقونه بما يقول. وقد سمع شعبنا نداء رسوله الكريم والحمد لله وامتثل لأمره لأن في دمه يجري حبّه وحب آله وصحابته، وحب الحرية وحب الانقياد والخضوع لله دون سواه.
فللإيمان وزنه وقيمته على كل حال، مع تفاضل أهله في الدرجات وفق تفاضلهم في النهوض بتكاليف الإيمان، فيما يتعلق بالجهاد بالأموال والأنفس، وهذا الاستدراك هو الذي نفهم منه أن هؤلاء القاعدين ليسوا هم المنافقين المبطئين المتعاملين مع الظالمين، إنما هي طائفة أخرى صالحة في الصف المسلم ومخلصة، ولكنها قصّرت في هذا الجانب والقرآن يستحثها لتلافي التقصير، والخير مرجو فيها، والأمل قائم في أن تستجيب.. وكم من عدو للثورة أصبح بإشراقات في قلبه جنديا يشتاق إلى التضحية في سبيل الحق والواجب، وكم من خائف من عواقب المعركة أصبح قائدا مغوارا يلقن العدو دوما دروسا لا تنسى.
وما فاز الشعب الجزائري بالنصر على الاستدمار إلا أنه كان يعلم علم اليقين أن الحرية لا تعطى بل تؤخذ عنـوة عن الغاصبين، تؤخذ بالوحدة والصدق والوفاء والامتثال لمنهج الله تعالى. ويعلم أيضا أن الجهاد ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة التي عاشتها الجماعة المسلمة الأولى بل لابد من بذل الأموال والأنفس كما طلب الله من المؤمنين وكما اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. فأما أن يقدر لهم الغلب أو يقدر لهم الاستشهاد فذلك شأنه سبحانه وذلك قدره المصحوب بحكمته. أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم والناس كلهم يموتون عندما يحين الأجل.. والشهداء وحدهم هم الذين يستشهدون، أحياء غير أموات عند ربهم يرزقون.. قال الله تعالى: “ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون “ (آل عمران: 169/170).
هناك نقط ارتكاز أصيلة في هذه العقيدة وفي منهجها الواقعي وفي خط سيرها المرسوم وفي طبيعة هذا الخط وحتمياته الفطرية التي لا علاقة لها بتغيير الظروف. وهذه النقط لا يجوز أن تتميع في حس المؤمنين تحت أي ظرف من الظروف، ومن هذه النقط الجهاد.. الذي يتحدث عنه الله سبحانه هذا الحديث، الجهاد في سبيل الله وحده وتحت رايته وحده دون أي عصبية أو نزعة طائفية أو حزبية أو عرقية أو جنسية، و دون أية نية استغلال عبيد الله لصالح طاغوت يحارب الله ورسوله، وانتهاك حرماتهم أو استباحة دمائهم أو غصب أموالهم.. فهذا حرام في حرام.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). وقال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره). وأحاديث كثيرة مستفيضة تحث على الأخوة في الله بعد العقيدة الصحيحة وتهدب علاقة المسلم بأخيه… فلا يفارق المسلم أخاه حتى يشيع جنازته، فتشييع جنازة المسلم حق على أخيه كسائر الحقوق التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “إذا استنصحك فأنصحه وإذا استقرضك فأقرضه، وإذا دعاك فأجبه وإذا عطس فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فشيعه.
إن انتصار ثورة نوفمبر 1954 الجزائرية يعتبر كما قال الدكتور المؤرخ يحي بو عزيز في إحدى كتاباته: “مفخرة العرب والمسلمين جميعا لأنها رفعت رؤوسهم عالية بعد أن أذلت عشرات السنين وإعادة الإسلام لمركزه، وإشراقه على هذه البلاد بعد أن حاول الاستعمار الفرنسي القضاء عليه وتعويضه بالدين المسيحي النصراني الأوروبي وفي نفس الوقت فإن هذه الثورة الجزائرية مفخرة إفريقيا كلها والأفارقة جميعا ،لأنها هي التي أعادت الثقة لشعوبهم وزرعت فيها روح الأمل والحيوية والحياة الحرة وحفزتها على مسح غبار الغفلة والتخلف ودفعتها إلى العمل من أجل تحرير الوطن ،وطرد المستعمرين الدخلاء المستغلين. وتم ذلك لها فعلا دون ضحايا كثيرة ودون وقت طويل على عكس الجزائر ،وليس من قبيل الصدف أن تختار الجزائر بعد ذلك كما كان لتصفية الاستعمار البرتغالي آخر استعمار أوروبي وأقدمه في إفريقيا ،و وذلك عام 1974 وما بعده “… وختم مذكرته بقوله: “إن ثورة أول نوفمبر 1954 من الأحداث العالمية الكبرى في التاريخ المعاصر انعكست آثارها الحسنة والإيجابية على معظم شعوب العالم وخاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتمثل تجربة رائدة لها في الكفاح الوطني ،وفي مجالات البناء والتشييد وفي المواقف البناءة والدؤوبة تجاه القضايا العالمية المعاصرة. وستبقى هكذا مثلا رائدا طالما حافظت على مسارها وتمسكت بأهدافها الوطنية، والتزمت بالوقوف دائما إلى جانب القضايا العادلة كما هي عادتها “.
إن الاحتفال بهذه الذكرى العظيمة يعني لدى كل عاقل غيور على وطنه ودينه أن يهتم الجميع كل على حسب طاقته ودائرة نفوذه بإصلاح الأجيال الصاعدة وبتربيتهم تربية تربطهم بأصالتهم وتاريخ أمجادهم، تربطهم بالعقيدة الصحيحة والخلق الكريم وتجعلهم يواجهون كذات واحدة حاجات العصر الحديث بكل دراية وصبر والتزام، ويستدركون ما أهمله أسلافهم، وعندئذ يفرح المؤمنون بالجيل المؤمن والمجتمع المسلم والأمة الصالحة، وما ذلك على الله بعزيز.
جعلنا الله من أولئك الذين قال فيهم: ” رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ” آمين.