تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

من دلالات ذكرى عيد المجاهد ذكرى 20 أوت 1956

بسم الله الرحمن الرحيم

اللّهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

* من دلالات ذكرى عيد المجاهد ذكرى 20 أوت 1956

إن الشعب الجزائري الباسل إذ يحتفل بعيد المجاهد، يحتفل به كواحد من التواريخ التي حسمت الموقف لصالح قضية شعب ووجهت الأحداث بعد ذلك في طريق النصر، وجسدت أنبل ما في الإنسان من القيم والأخلاق العالية، وأروع ما فيه من معان التضحية والفداء، إذ حطم البعد الشعبي للثورة التحريرية جدار الخوف في نفوس الكثيرين من المترددين والمتشككين، كما حطم جدار العزلة التي حاول الاستعمار الفرنسي الغاشم فرضها على الثورة خلال شهورها الأولى، فتجاوز صوتها حدود الجزائر.

وبفضل تلك الخاصية الجوهرية التي بلورتها أحداث 20 أوت 1955، وبفضل ذلك التصميم على الكفاح المسلح والاستعداد للتضحية، والإصرار على الانتصار انتصرت الثورة التحريرية على كل الجبهات المعادية ، وشقت طريقها الحافل إلى تاريخ آخر عظيم وحاسم ، بلور اختيارات الثورة، وأمَّن مسالكها ،وصاغ تصورها لمهام الحاضر والمستقبل ،ألا وهو تاريخ 20 أوت 1956 الذي انعقد فيه أول مؤتمر لجبهة التحرير الوطني، ذكرى تاريخ مجيد، وعلامة بارزة في مسيرة الثورة التحريرية ونضالات الشعب الجزائري من أجل استرجاع سيادته واستقلاله الوطني وهو شاهد من شواهد التلاحم بين الثورة والجماهير وتحديد البيعة لبيان أول نوفمبر، فقد شق هذا التاريخ للثورة مجراها العظيم، وأعطى كلمة السر التي أشاعها نداء نوفمبر كل أبعادها، فإذا به منطلق جديد للثورة أخذت به صفتها الجوهرية على أنها ثورة شعبية، تستمد قوتها من رصيد نضال متواصل، ومن إرادة التحرر وهي تتجدد في نفوس الأجيال حيث يبلغ كل خلف عن كل سلف أن الله يدافع عن الذين آمنوا وأن الظلم مرتعه وخيم وأن العاقبة دوما للمستضعفين إذا أرادوا الخروج من قبضة الجبارين والتحرر من ربقة الجائرين.

إن الاحتفال بيوم المجاهد هو جزء من تيار العمل الثوري اليومي الذي ظل يجري في الجزائر منذ ثورة الفاتح من نوفمبر إلى يومنا هذا وإلى ما بعد هذا اليوم من مستقبل بعيد ،سيما إذا أدركنا أن الثورة الأصلية ليست “ذكرى” ولا هي مجرد احتفال بالذكرى بل إنها حركة زاخرة متوثبة، تستقطب كافة الشعب، وفعل إيجابي يتسم بالتكامل والشمول والديمومة وهو ما يجب على الأمة الجزائرية شعبا وحكومة وجيشا أن تكون حريصة عليه بروح الوفاء لمبادئ وأهداف ثورة نوفمبر وفي إطار استمرارية النضال لإعطاء هذا الوفاء معناه الحقيقي وترجمته الصادقة في جميع الحياة الوطنية.

إن عيد المجاهد يعلمنا أن الجهاد يعني استفراغ الوسع والطاقة في مدافعة أعداء الإسلام وقتالهم مباشرة أو بواسطة المال أو الرأي أو تكثير عدد المسلمين أو غير ذلك… فتشريع الجهاد ليس قاصرا على الدين الإسلامي فقط بل هو مشروع في جميع الديانات السماوية قال تعالى: ﴿ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾(سورة الحج/40). فالهدف من الجهاد هو حماية دعوة الحق وتبليغها للناس فلابد من قوة تحمي هذه الدعوة وتزيل من طريقها كل من يقف حجر عثرة  في سبيل تحقيقها حتى يعيش الناس في أمن وحرية ومساواة تحت ظل العبودية لله وحده جل علاه.

ومن المتفق عليه أن الجهاد فرض على المسلمين جميعا، تارة فرض عين على كل قادر عليه وتارة فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، ويكون فرض عين إذا:

1- التقى المسلمون بالمشركين والتحمت الصفوف فيصبح الجهاد حتما لازما ولا يجوز الفرار من الزحف لأنه كبيرة.

2- داهم المشركون أي بلد من بلاد الإسلام وجب على أهل هذا البلد قتالهم جميعا ، فإن لم يستطيعوا دفعهم وجب على أهل البلاد المجاورين لهم إعانتهم والوقوف معهم حتى يدفعوا العدوان عنهم فإن لم يكن دفع العدو إلا بالمسلمين جميعا فالجهاد فرض عين على كل المسلمين ، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾(سورة التوبة/123).

3- استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾(سورة التوبة/38). وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه الشيخان: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا”.

إن عيد المجاهد يعني للكيس المتوازن أن الإيمان الصحيح يبعث في النفس روح الشجاعة والإقدام، واحتقار الموت والرغبة من أجل الحق وأن الإيمان يوحي بأن واهب الحياة هو الله تعالى فلا يستطيع أحد أن يسلبها منه إلا هو وحده، فالجبن لا يطيل أجلا و الإقدام لا ينقص منه، قال تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ﴾( سورة آل عمران /145). وبهذا المبدأ تميزت تلك الفئة المؤمنة الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهلوا من المنبع الأصيل، وانطلقوا بقوة إيمانهم يفتحون البلاد شرقا وغربا حريصين على الموت في سبيل الله تعالى حرص الناس على الحياة. كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، أصحاب عقيدة صحيحة شامخة، وسلوك نبيل. إن الإخلاص لب هذا الدين وأساسه. وبه يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى ولا شك أن الجهاد الذي وعد الله القائمين به بأرفع الدرجات وجزيل الثواب هو ما كان لإعلاء كلمة الله وإقامة الحق والعدل في الأرض وحماية الدعوة الإسلامية والدفاع عنها وعن الوطن والأمة من اعتداء المعتدين ورد كيد الكائدين إلى نحورهم.

وقد بين صلى الله عليه وسلم الجهاد الذي يكون لله من الجهاد الذي يكون لأغراض دنيوية أخرى، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه في سبيل الله. قال عليه الصلاة والسلام “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” (رواه الخمسة).

فكل قتال يراد به استرداد حق مغصوب أو تحرير وطن مسلوب أو تقرير حق أو دحض باطل يعتبر من المسلمين جهادا في سبيل الله إذا صفت النية وخلصت من الشهوة وبعدت من المطامع الدنيوية والأغراض المادية، ويعتبر الذين يقتلون فيه شهداء وأحياء عند ربهم يرزقـون. ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: “يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد مالي قال:” لا تعطه مالك “قال: أرأيت إن قاتلني، قال: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلـني قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته قال هو في النار”. يُشير الإمام الإبراهيم اللقاني رحمه الله إلى هذه الحياة الأبدية في جوهرته بقوله:

وصف شهيد الحرب بالحياة      ورزقه من مشتهى الجنات

مفسرا قوله تعالى: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾( سورة آل عمران / 169/170). وليس هناك شهداء إلا الذين يُقتَلون في سبيل الله خالصة قلوبهم لهذا المعنى، مجردة من كل مُلابسَةٍ أخرى … فإذاً هؤلاء الشهداء أحياء لهم كل خصائص الأحياء…

ولنختم هذا العرض ببشارة نبوية: فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته ” ( رواه أبو داود والترمذي ولفظ الترمذي ) “. للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين من أقاربه “ولقد عرف سلفنا الصالح هذه المكانة فحرصوا على الشهادة وباعوا أنفسهم لله فنالوا أعلى الدرجات وأسماها وفازوا بعز الدنيا ونعيم الآخرة …