بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
(تابع) نسبه وبعثته صلى الله عليه وسلم وصفات أصحابه رضوان الله عليهم
وعن نسبه الشريف كما جاء بأكثر من تفصيل في موسوعة ” المعرفة ” (10) فهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من نخبة بني هاشم وأشرف العرب بدوا وحضرا وأشرفهم بيتا وقد أشار صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك بقوله: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريش واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم فأنا خيار من خيار من خيار» (أخرجه مسلم). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» (أخرجه البخاري).. وفي حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون لـه، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».
ومن مآثر العرب اهتمامهم بحفظ الأنساب.. فقد كانوا يتفاخرون ويتباهون بأمجاد الأجداد وقد قص الله تعالى علينا حالهم في سورة التكاثر بقوله: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾. نزلت هذه الآية كما جاء عن الإمام ابن كثير في تفسيره، في قبيلتين من قبائل الأنصار بن حارثة وبن الحارث تفاخروا وتكاثروا. فقالت إحداهما فيكم مثل فلان بن فلان بن فلان وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾. وقال قتادة في هذه الآية الكريمة: ” كانوا يقولون: نحن أكثر من بنى فلان ونحن أعد من بنى فلان وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم والله مازالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم”.. والصحيح أن المراد بقوله تعالى: ﴿ زرتم المقابر ﴾ أي صرتم إليها ودفنتم فيها.
وسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم وأم إسماعيل هاجر من “أم العرب” قرية كانت أمام الفرما من مصر.. وعبد المطلب جد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من أبيه عبد الله عليه السلام هو ابن هاشم بن عبد مناف الذي تولى عن أبيه السقاية والرفادة سافر إلى الشام في تجارة حيث توفي في غزة (فلسطين) سنة 524م.
وعبد مناف هو بن قصي بن كلاب، وقصي بن كلاب هو الزعيم العربي الذي وضع أسس أمجاد قريش. فقد كانت قبلـه متفرقـة، فجمع شملها ووحد صفوفها وكانت السيادة السياسية والدينية قبل قصي لقبيلـة خزاعـة، التـي انتزعت سدانة البيت من قبيلــة جرهـــم (أهل أم إسماعيل).. فاستطاع قصي بقوة شخصيته وحنكته وخبرته وخاصة بمساعدة كنانة وعذرة أن ينتزع هذه السيادة من خزاعة وأن يجليها عن مكة.. فنصبته قريش ملكا على مكة فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحماية والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كله. ولذا سمَّـتـه العرب قصيا “مجمِّعا” لما جمع من أمرها، وتيّمن قومه به، فكانوا يعقدون الزواج دائما في داره ويستشيرونـه في مهام أمورهم.. كما أنشأ قصي دار الندوة (البرلمان) وفيها كان يجتمع كبار القرشيين، يتباحثون في شؤونهم، وتولى إطعام الحجيج وسقايتهم، ووضع لمكة ولقريش قوانين تنظم العلاقات وتضمن للتجار وللحجاج الأمن والسلام.
أنجب قصي ثلاثة أبناء: عبد الدار وعبد مناف، وعبد العزى، وبرغم أن عبد الدار كان أكبرهم سنا، إلا أن عبد مناف كان أقوى شخصية ولذا انتقلت إليه سدانة الكعبة. له أربعة أبناء هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل، وقد ذاع صيت هاشم والد جد الرسول، عبد المطلب.. فهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن والشام. وأصبحت مكة مقصد التجار من كل مكان مما زاد من ثراء القرشيين وذكرهم لدى الجزيرة العربية وعرفوا أرقى نظم التجارة فعن أم هانئ رضي الله عنها بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « فضل الله قريشا بسبع خلال: إني منهم وإن النبوة فيهم والحجابة والسقاية فيهم وإن الله نصرهم على الفيل وإنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم وإن الله أنزل فيهم سورة من القرآن ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لإيلاف قريش إيلا فيهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.
وجاء عن الإمام ابن كثير رحمه الله أن هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وإن كانت متعلقة بما قبلها كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد أسلم، لأن المعنى عندها: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله لإيلاف قريش أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين. وقيل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم ومن سار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم. وأما في حال إقامتهم في البلد المبارك فكما قال الله تعالى ممتنا عليهم فضله:﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ﴾(العنكبوت/67).
وقد كان لحادث الفيل أثر مضاعف في زيادة حرمة البيت عند العرب في جميع أنحاء الجزيرة العربية كما يبين ذلك صاحب “الظلال” رحمه الله في لطائفه، وزيادة مكانة أهله وسدنته من قريش مما ساعدهم على أن يسيروا في الأرض آمنين، حيثما حلوا وجدوا الكرامة والرعاية، وشجعهم على إنشاء خطين عظيمين من خطوط التجارة عن طريق القوافل، إلى اليمن في الجنوب وإلى الشام في الشمال وإلى تنظيم رحلتين تجاريتين ضخمتين: إحداهما إلى اليمن في الشتاء والثانية إلى الشام في الصيف.
ومع ما كانت عليه حالة الأمن في شعاب الجزيرة العربية من سوء، وعلى ما كان شائعا من غارات السلب والنهب، فإن حرمة البيت في أنحاء الجزيرة قد كفلت لجيرته الأمن والسلامة في هذه التجارة المغرية، وجعلت لقريش بصفة خاصة ميزة ظاهرة، وفتحت أمامها أبواب الرزق الواسع المكفول، في أمان وسلام وطمأنينة، وألفت نفوسهم هاتين الرحلتين الآمنتين الرابحتين، فصارتا لهم عادة وإلفا.
ويمضي الإمام سيد قطب رحمه الله في تحليله اللطيف لهذه النعمة الكبرى التي أسبغها سبحانه وتعالى على قريش من حماية للبيت ورزق مضمون وعيش في أمن وسلام ويقول: “يقول لهم: من أجل إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي كفل لهم الأمن، فجعل نفوسهم تألف الرحلة وتنال من ورائها ما تنال ﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع﴾.. وكان الأصل بحسب حالة أرضهم أن يجوعوا فأطعمهم لله وأشبعهم من هذا الجوع ﴿وآمنهم من خوف﴾.. وكان الأصل بحسب ما هم فيه من ضعف وبحسب حالة البيئة من حولهم أن يكونـوا فــي خوف “فآمنهم من هذا الخوف”.
ويستمر رحمه الله في تحليله بإطناب ويقول: وهو تذكير يستجيش الحياء في النفوس ويثير الخجل في القلوب. وما كانت قريش تجهل قيمة البيت وأثر حرمة حياتها وما كانت في ساعة الشدة والكربة تلجأ إلا إلى رب هذا البيت وحده وها هو ذا جد الرسول الكريم، عبد المطلب لا يواجه أبرهة بجيش ولا قوة. إنما يواجهه برب هذا البيت الذي يتولى حماية بيته لم يواجهه بصنم ولا وثن ولم يقل له: إن الآلهة ستحمي بيتها.. إنما قال له: ” أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه”. ولكن انحراف الجاهلية لا يقف عند منطق ولا يثوب إلى حق ولا يرجع إلى معقول.
أما أم عبد المطلب، فهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي ابن النجـار ومــن يثـرب (المدينة المنورة). وقد وافت هاشم منيته وهو في غزة (فلسطين) فمات في ريعان شبابه. وفي يثرب وضعت سلمى طفلها يتيما وسمته شيبة الحمد وذلك لأنه ولد وفي شعره خصلة بيضاء وأصبح فيما بعد اسمه “عبد المطلب”.
وقد استطاع عبد المطلب بقوة شخصيته أن يتولى بعضا من أبرز المناصب في قبيلة قريش. فهذه المناصب هي السدانة والحجابة وهي الإشراف على الكعبة، والسقاية وهـي توفيــر الماء للحجيج، والرفادة وهي توفير الطعام لزوار بيت الله الحرام، والراية يحملها أحدهم، والقيادة وهي دار الشـورى والمشـورة، والأسيار وهي الأوثان التي كانوا يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ويستخيرونها في كل شؤونهم بواسطة الأزلام التي ورد النهي الشديد عن الاستقسام لها في أوائل سورة المائدة عند قوله تعالى بعد تحريم الميتة وما على شاكلتها: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق﴾(03). وعند قوله جل علاه في نفس السورة (الآية/90). ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾.. وإضافة إلى ما سبق منصب الحكومة التي تقضي في النزاعات بين الناس ومنصب الأموال المحجّرة أي التي كانوا يسمونها لآلهتهم والتي حكى الله عنها بأشد التنكير في قوله عز وجل من سورة الأنعام (136): ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون﴾. وكانت السقاية والرفادة من أبرز المناصب التي تولاها عبد المطلب.
والأزلام جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح صغير لا ريش له ولا نصل وكانت أزلامهم سبـع قــداح عنـــد سـادن الكعبــة (خازنها) مكتوب على واحد منها: أمرني ربي وعلى واحد منها: نهاني ربي وعلى واحد: منكم وعلى واحد: من غيركم وعلى واحد: ملصق وعلى واحد: العقل، وواحد غفل أي ليس عليه شيء. وكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل، أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظـام جاءوا إلــى هُبــل، وكان أعظم صنم لقريش بمكة، وكان في الكعبة وجاءوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى يجليها لهم، فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر وإن خرج نهاني ربي لم يفعلوا وإذا أجالوا على نسب فإن خرج “منكم” كان وسطا فيهم وإن خرج “من غيركم” كان خلفا فيهم وإن خرج “ملصق” كان على حاله وإن اختلفوا في العقل وهو الديــة، فمن خرج “عليه العقل” تحمله وإن خرج العقل أجالوا ثانيا حتى يخرج المكتوب عليهــم فنهــاهم الله عــن ذلك وحرمــه وسمــاه فسقــا (انظر الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للشيخ منصور الجمل).
ولقد جاءنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالبديل، الذي يمتن صلة العبد بربه ولا يقطعها حيث لا يسأل إلا الله ولا يتوكل إلا على الله ولا يفتقر إلا إليه تعالى إذ هو القادر على كل شيء والوحيد الذي يجيب المضطر إذا دعاه وهو الأعلم بما ينفع عبده ويضره.. فقد أمرنا رسول الله صلى الله عليـه وسلــم بصلاة الاستخـــارة حيــن قـال: « ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ». فمن استخار الله تعالى استخار علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو الذي يُطْلِع عبده إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء بعواقب الأمور إن رد الأمر إليه سبحانه وإذا استنصح العقلاء شاركهم في عقولهم لأنهم أهل الخبرة والتجربة والكفاءة العلمية والنزاهة وسلامة الضمير وقناعة النفس، فالاستخارة للمضمون: تفعل أو لا تفعل، وأما الاستشارة بعد الاستجابة الإلهية فتأتي لتوضح لك كيفية الوصول إلى المطلوب، ولهذا عطف الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بين هاتين الطريقتين حيث نفى في أولاهما الخسارة والخيبة على من سأل ربه خاشعا متضرعا صادقا مخلصا طيب الكسب والحال والمقال ونفى الندم على من استنصح أهل الرأي والحنكة.
وعن كيفية صلاة الاستخارة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما والذي أخرجه الشيخان وغيرهما.. قال جابر: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همَّ أحدكم بأمر أو بإرادة خروج فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهــم إن كنت تعلم أن هذا الأمر. (وتسميه بعينـه، سفرا، زواجا، دراسة، تجارة… الأمور المباحة التي لا تعرف عاقبتها ولا تأثيرها على دينك ودنياك وآخرتك لا في الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة.. فلا استخارة في الجهاد ولا في صلة الرحم مثلا وهكذا…) خير لي في ديني ودنياي وآخرتي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإلا فاصرفه عني ويسر لي الخير حيث كان ما كنت ورضني بقضائك يا أرحم الراحمين».. ذكر هذه الكيفية الشيخ الإمام سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في الغُنية.
أما عن تلك الأموال المحجرة للأصنام والتي شدد الله تعالى في توبيخ عُبَادها كما سبق في الآية 136 من سورة الأنعام فقد روى أن كفــار مكــة كانـــوا يعينـون شيئــا من حرث ونتاج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين وشيئـا منهمـــا لآلهتهـم وينفقونهـا علـى سدنتهـا (خدام الصنم) ويذبحون عندها ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بدّلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حبّا لها.. وفي قوله تعالى: ﴿مما ذرأ﴾ تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا للخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزّاكي له كما جاء في تفاسير الثقات.
لقد بلغت قريش في عهد عبد المطلب شأوا بعيدا في الحضارة لم تبلغه في أي عهد من عهودها قبل الإسلام، بغض النظر عن الوثنية السائدة آنذاك، وإن كان قصي بن كلاب قد وضع اللبنة الأولى في صرح هذه الحضارة فإن حفيده عبد المطلب جد الرسول الأكرم، قد أتم البناء، وجنى الثمار. ففي مجال السياسة الداخلية استطاع عبد المطلب أن يحفظ السلام في مكة وعاشت القبائل جنبا إلى جنب في هدوء وسلام. وكان الثراء الذي تدفق على قريش، من أهم الأسباب التي أدت إلى تجنب الحروب القبلية الصغيرة التي كانت كثيرا ما تشهدها مكة من قبل، وفي ميدان السياسة الخارجية عمل عبد المطلب على توثيق صلاته الخارجية بالدولة الفارسية والدولة الرومانية وإمارتي الحيرة والغساسنة وبلاد اليمن وكذا بلاد الحبشة التي أصبحت من بعد، في الفترة الأولى من الدعوة النبوية دار الهجرة الأولى لبعض صحابة الرسول الكريم كعثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب وغيرهما، وذلك باختيار النبي الكريم لها كمأوى لأصحابه الذين اضطروا من شدة أذى كفار مكة أن يغادروا وطنهم المبارك، لكن إلى أرض بها ملك لا يظلم عنده أحد كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما بالنسبة للمجال الاقتصادي فقد برزت في عهد عبد المطلب أهمية الرحلات التي استنها هاشم رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى بلاد الشام. فقد أثرت تأثيرا كبيرا في حياة قريش ومكة الاقتصادية وفي حياة شبه الجزيرة العربية كلها وقد ورد ذكر هاتين الرحلتين في القرآن الكريم كما سبق في سورة “قريش”.
وفي عهد عبد المطلب وصلت تجارة قريش ذروتها فقد أخذ القرشيون يجنون ثمار المعاهدات واتفاقيات حسن الجوار التي عقدها عبد المطلب مع الدول المحيطة به وقد أدى هذا بدوره إلى انتشار الحضارة في قريش وازدياد الرخاء في مكة.
وقد ارتفع شأن عبد المطلب بعد إعادة حفر بئر زمزم. فقد كان أهل مكة يعانون طوال تاريخهم قلة موارد الماء كما كان لموقف عبد المطلب إزاء غزو أبرهة اللعين أثر كبير عند أهل مكة خاصة والعرب عامة إذ لم يقف موقفا سلبيا إزاء الجيوش الحبشية الجرارة التي لا قدرة لقريش ولا لمكة عليها، بل لجأ إلى وسيلتين لحماية أهل مكة بعد أن رأى عدم جدوى الاتجاه إلى السلاح، فقد أمر قريشا أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال. أما الثانية فهي إغراء أبرهة بالمال والذهب. فقد عرض عليه ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عن مكة ولا يهدم البيت ولكن أبرهة رفض هذا العرض وكان عبد لمطلب والقرشيون واثقين من أن الله عز وجل سيدفع خطر الأحباش عن مكة وتنقذ الكعبة من هجوم هذا اللعين.. ويتجلى هذا في قول عبد المطلب: “إن للبيت ربا يحميه”. وفي توجهه إلى الله سبحانه وتعالى قائلا:
يا رب لا أرجو لهم سواكـا يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عـداكـا امنعهم أن يخربوا قراكـا
وفعلا حمى الله سبحانه وتعالى بيته الحرام ودارت الدائرة على جيش الأحباش ففنى عن آخره وخلد القرآن الكريم هذا الحادث التاريخي الكبير في سورة الفيل حيث قال جل علاه: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾. هذا الحادث العظيم الذي توّجه المولى سبحانه بميلاد سيد العالمين، والذي أصبح فاتحة عصر جديد في تاريخ البشرية قاطبة.
لقد أنجب عبد المطلب عشرة رجال هم: العباس وحمزة وعبد الله وأبا طالب والزبير والحارث وحجل والمقوم وحزار وأبا لهب. وكان عبد المطلب قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر بئر زمزم: “لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة”. فلما بلغ بنوه مبلغا يرضاه راح ليخبر قومه بنذره وقد فوجئوا جميعا بحرصه على الوفاء به شكرا لله تعالى. فأبدوا طاعتهم وانكسارهم أمام رجل وجيه كريم مهاب وقالوا كيف نصنع؟ واتفقوا على أن يأخذ كل رجل منهم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ثم دخل بهم أبوهم على “هبل” وهو صنم على بئر في جوف الكعبة، تجمع فيها القرابين للكعبة، وطلب عبد المطلب من سادن الصنم هذا أن يضرب القداح على أبنائه، حتى يتبين له من اختار “هبل” من أبنائه قربانا للآلهة ويزيل عن نفسه كل ارتياب.. ولما ضرب صاحب القداح أزلامه خرج القدح على عبد الله، والد الرسول صلى الله عليه وسلم. فقام عبد المطلب ليذبحه وفاء بنذره وكان أحب أولاده إليه، فمنعته قريش وبنوه وطلبوا منه أن يستشير في ذلك عرافة خيبر ويأخذ برأيها.. ولما استشاروها قالت لهم: “ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربّكم وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم”. فلما رجعوا إلى مكة قربوا عبد الله وعشرا من الإبل ثم ضربوا القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذوا يزيدون الإبل عشراً عشراً حتى بلغت الإبل مائة ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يُصد عنها إنسان ولا يمنع.. فلله الحمد والثناء حيث نجى عبد الله بن عبد المطلب ليكون أبا لسيد الخليقة ورسول البشرية محمد المحمود النبي الخاتم الماحي الرؤوف الرحيم..
ومن أسرار هذا الحادث العظيم أنه عليه الصلاة والسلام يباهي به شاكرا نعم الله عليه قائلا: «أنا ابن الذبيحين». إشارة إلى أنه من نسل إسماعيل عليه السلام الذي أمر الله تعالى والده الكريم نبي الله ورسوله الخليل إبراهيم أن يذبحه ويتخلص من كل حب إلا حب مولاه وإشارة أيضا إلى والده عبد الله الذي نذر أبوه أن يذبحه قربانا لله تعالى شاكرا لأنعمه سبحانه إياه حيث تحققت رغبته في بنيه وعلى الخصوص في حفر بئر زمزم الذي أمر به خدمة لزوار بيت الله الحرام.. وانظر رحمك الله كيف يتكرم سبحانه وتعالى على من يتقرب إليه ابتغاء مرضاته بالحب والوفاء والإخلاص في التضحية، فقد فدى جل علاه سيدنا إسماعيل بكبش من الجنة وقال فيه: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾. وفدى سيدنا عبد الله بمائة من الإبل نحرت للضعفاء والمساكين.. والتي أصبحت بعد ذلك دية تدفع لأهل القتيل خطأ ثم أقرها الإسلام كما أقر قداسة الأشهر الحرم، التي كان الناس يعظمونها في الجاهلية. وكانت هذه أول مرة يفتدى بها عربي بمثل هذا العدد الكبير من الإبل.. ولذا شاعت القصة بين العرب جميعا.
وفرح عبد المطلب بنجاة ابنه عبد الله فرحه لحماية البيت من بطش أبرهة اللعين، فزوجه من آمنة عليها السلام بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالـب بن فهــر، وأبوها وهب يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا. وابنته آمنة هي من أفضل نساء قريش موضعا ونسبا وقضى الله تعالى بحكمته الأزلية أن يفرق بين المحبوبين عبد الله وزوجه، فلم تدم متعتهما طويلا حيث أدركته المنية بيثرب (المدينة المنورة) عند أخواله من بني النجار. وذلك حين قفل عائدا في عير قريش قد خرجت بتجارتها إلى الشام. وذلك حين أرسله أبوه عبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات بها وقيل بل خرج تاجرا إلى الشام وترك زوجه آمنة حاملا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.. وحين أقبل عائدا في عير قريش ألم به بعض الوجع فنزل بالمدينة ليمرض عند أخواله وشاء الله أن توفي بها بعد شهر من مرضه ودفن في دار النابغة الجعدي وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة العمر المبارك الذي تزوج فيه ابنه سيد الخلق من أمنا سيدتنا خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها. وكانت وفاة عبد الله بن عبد المطلب على أرجح الأقوال قبل ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب البعض إلى أنه توفي بعد مولده عليه الصلاة والسلام بشهرين.. ولما بلغ نعيه مكة رثته آمنة زوجه بأروع المراثى حيث قالت:
عفا جانب البطحاء من ابن هاشم وجاور لحدا خارجا في الغماغم
دعـته المنايا دعـوة فأجابها وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره تعاوره أصحابه فـي الـتـزاحم
فإن تك غالته المنايا وريـبها فـقد كـان معطاء كثير التراحم
وما ترك عبد الله إلا خمسة جمال وقطعة غنم وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن وهي حاضنته صلى الله عليه وسلم.