Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

شعائر الحج بين ظلام الجاهلية ونور الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

شعائر الحج بين ظلام الجاهلية ونور الإسلام

5) ومنافع الحج كثيرة منها:

والحج من العبادات التي تعود على الفرد والجماعة بالمنافع الكثيرة المادية منها والمعنوية متى التزم الناس في أداء هذه الفريضة المقدسة بما شرعه الله لهم…  ومن هذه المنافع:

تلك المعاينة المثيرة لوجدان المؤمنين حين يواجهون بيت الله الحرام، أو حين يطالعون قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين طالما توجهوا إلى الكعبة وتخيلوا مشهدها، وتشوقوا إلى الطواف حولها، كلما وقفوا بين يدي الله في صلاتهم، هذه المعاينة تربط المؤمن ربطا مباشرا، بشعائر دينه وتصله بالخالق جل وعلا اتصال عين اليقين، اليقين الذي يجعله يتسابق في الخيرات والطاعات وكيف لا وقد آن له أن يهتم بعد شواغل الدنيا، بتقديم شيء لمصيره الآجل.

يقضي المؤمن فترة طويلة لا هم له إلا الذكر والتلبية والتجرد لهما من كل شواغل الحياة الدنيا. وليس كالذكر والتلبية وسيلة إلى التقرب من حضرة ذي الجلال وهو ذكر يحدث في أطهر بقعة على ظهر الأرض، وفي ظروف تجرد تام، يرفع الدعاء إلى مستوى الإجابة قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ﴾ وفي سورة غافر قال جل ذكره :﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾.

ومن المأثور في هذا عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن داود النبي صلى الله عليه وسلم قال إلهي ما لعبادك عليك إذا هم زاروك في بيتك؟ قال: إن لكل زائر حقا على المزور، يا داود: لهم علي حق أن أعافيهم في الدنيا وأغفر لهم إذا لقيتهم”(رواه الطبراني في الأوسط). وفي حديث أخرجه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه “. وفي رواية للترمذي: “غُفر له ما تقدم من ذنبه ” وحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم “. ومن طريق آخر قال عليه الصلاة والسلام: “يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج”.

فالحج يغفر الذنوب ويزيل الخطايا إلا حقوق الآدميين، فإنها تتعلق بالذمة حتى يجمع الله أصحاب الحقوق ليأخذ كلٌ حقّه. ومن الجائز أن الله تعالى يتكرم فيرضى صاحب الحق بما أعد له من النعم وحسن الجزاء، فيسامح المدين تفضلا وتكرما، فلا بد من أداء حقوق الآدميين، أما حقوق الله فمبنية على تسامح الكريم الغفور الرحيم. والحج يطهر النفس ويعيدها إلى الصفا والإخلاص، مما يؤدي إلى تجديد الحياة، ورفع معنويات الإنسان وتقوية الأمل وحسن الظن بالله سبحانه..

وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد:

طيف إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يودع البيت وفلذة كبده إسماعيل وأمه على الجميع الصلاة والسلام. ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾(إبراهيم/37).

وطيف هاجر وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة المتلهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضئ. وإذا هي زمزم، ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.

وطيف إبراهيم عليه السلام وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: ﴿ قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾ فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل عليه السلام : ﴿ يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبـح عظيم ﴾( الصافات: 102/107 ).

وطيف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان القواعد من البيت في إنابة وخشوع: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ﴾(البقرة 127-128) .

وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتابع، حتى يلوح طيف عبد المطلب وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء. وإذا هو عبد الله أب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر… ولولا عناية الله وفداؤه بذبح مئة ناقة بعد عشر لضحى عبد المطلب بابنه عبد الله… العناية التي تلت حماية الله لبيته العتيق من كيد أبره اللعين… وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء، والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة فيقبل منه الفداء، فينحر مائة ناقة وينجو عبد الله. ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يموت.. فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير…

ثم تتواكب الأطياف والذكريات من سيدنا محمد رسول الله ابن الذبيحين عليه الصلاة والسلام وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل، وهو يصلي.. وهو يطوف.. وهو يخطب.. وهو يعتكف.. وهو يفتح النفوس والبقاع ويكسر الأصنام والأوثان ويعفو عمن أذاه ويؤلف بين القلوب. وإن خطواته عليه الصلاة والسلام لتنبض حية في الخاطر وتتمثل شاخصة في الضمير يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وترف فوق هذا الثرى حول ذلك البيت تكاد تسمعها الآذان وتكاد تراها الأبصار.

وبعد هذا يودعون البيت بالطواف ويقصدون الحرم النبوي الشريف بالمدينة المنورة لزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة مهداة للعالمين وقبرا صاحبيه الجليلين سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر رضوان الله عليهما وعلى جميع الصحابة الكرام.. فيسلم عليهم ويدعوا بما استطاع!! وليجتهد في زيارة المقدسات الأخرى ولكن مع مراعات الآداب المطلوبة ظاهرا وباطنا.. يرجعون إلى أوطانهم بعهد جديد ويقين جديد بطهارة في النفوس وسعادة في القلوب.. طوبى لـهـم ثـم طـوبـى.

وللحج محاسن كثيرة نفسية وروحية.. فمنها أن الحاج وان اشتدت مشقته وبعدت شقته فإذا وقع بصره على بيت الله الحرام زال الكلال فلا كلال ولا ملال وكذا في يوم القيامة وان طال اليوم وعاين الأهوال واشتدت الأحوال فإذا نظر إلى ربه المتعال زال ما به نزل، وكأنه في روح وراحة لم يزل، فسبحان الله، يزول الكلال والعي والتعب ممن رأى البيت فكيف بمن رأى خالق البيت فإذا وصل إلى البيت ورأى البيت وليس صاحب البيت في البيت، علم أن ليس مالك العرش على العرش إذ لو جاز أن يكون على عرشه لجاز أن يكون في بيته. فذو العرش عن العرش غني وعن التمكن بالمكان برى، فليس للعرش من ذي العرش إلا الشرف بقوله تعالى في سورة طه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. وليس للبيت من رب البيت إلا الشرف بقوله جل ذكره: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين …﴾ لو كان في البيت لكان بقدر البيت أو يفضل  عنه البيت وكان عند ذلك  مقدرا وتعالى الله عن أن يحتويه مكان أو زمان فهو مقدِّر وليس بمقدَّر.. فإذا وصل الحاج إلى البيت وكان قد علم انه ليس في البيت جعل يطوف بالبيت ولسان حاله يقول:

                   أمر على جدار ديار لـيلى      :   أقبل ذا الجــــدار و  ذا الجدارا

 فما حب الديار شغفن قلبي   :   ولكـن حب مـن سكن الديارا

يشير بالطواف إلى أن البيت ليس بمقصودنا بل مقصودنا معبودنا، لا راحة في البيت بدون لقاء رب البيت فكذا لا راحة في العقبى برؤية داره إلا بلقاء وجهه الكريم.

والمراد بالإحرام أنه ينزع المخيط الذي هو لباس الأحياء ويلبس غير المخيط الذي هو لباس الأموات ولا يحلق رأسه كما لا يحلق رأس الميت ولا يقلم أظفاره ولا يقطع شاربه ولا يتطيب بطيب ولا يزيل نفثه وشعثه ولا يقضي شهوته ولا يصطاد صيد البر وكل ذلك يشير إلى أنه قد مات في سبيل الله فينال الموعد من الثواب بقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ﴾ (النساء /100). فالتقريب أن من رجع من حجه إلى وطنه فكأنه أستجيب دعاؤه في القيامة بقوله: ﴿ يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ﴾ وأعيد إلى الدنيا فلا يعود إلى ما كان يأتيه من قبل كيلا يقال له: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾.

ومن محاسن الحج أنه كلما جنى جناية على إحرامه لزمه دم فإن نقائص الحج تجبر بالدم، وهذا يشير إلى أن هذا سبيل المحبة إراقة الدم وبذل الروح وترك الوطن وفراق الأهل والولد ومجانبة الشهوات، فمن قدر على إراقة الدم أراق الدم ومن لم يجد أطعم ومن لم يستطع صام للرب الأكرم.

ومن جملة المحاسن في الحج أنه لم يجعل ركن الحج الوقوف في البيت بل قال “الحج عرفة” فمن وقف بعرفة فقد تم حجه. هذا رحمة من الله تعالى وإرادة يسر بعباده. والجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة والجمع بين العشاءين أداء بالمزدلفة، وسع على عباده وقت الوقوف لينالوا رحمة الله الرؤوف.. وفي رمي الجمار إشارة إلى التبرؤ عن العقل كما تبرأ بالإحرام عن الشهوة والدعة والزينة والحول والقوة إذ لا عقل يهتدي إلى رمي جمار معدودة بأماكن معلومة  وإنما هي سنة متواترة يتبعها الحاج على الوجوب لا دخل للتفكير ولا للجدل فيها… والرمي يشير إلى  أن عبدك حضر بفنائك واقف ببابك راج ثوابك خائف عقابك يأتمر بما أمرت به وينتهي عما نهيت عنه ليس يرجع إلى عقله وحوله وقوته، ويشير أيضا إلى الحق جل جلاله يقول لعبده: ” عبدي إني رميت بالأحجار مَن هو مِن أعدائي في الأمم الخالية ورفعت أقدار هذه الأمة برمي الجمار في الأحقاب والأسلاب والأسلاف والأعقاب ولا تجتمع الأحجار فوق التراب… عبدي: إني قبلت منك جمرة رميتها أفلا أقبل منك حسنة أتيتها واستر من الخلق حجرا رميته أفلا استر على الخلق أمرا عصيته؟”.

ومن جملة المحاسن وضع صلاة العيد عن الحجيج بمنى لما أنهم شغلوا بأفعال الحج فلا يتفرغون لهذا النوع من العبادة ولو صلوا صلاة الجمعة بمنى يجوز على اختلاف العلماء لأن الجمعة قد لا تكون بمنى فأما يوم العيد فيكون بمنى لا محالة، فلم يضيق الأمر عليهم بإقامة صلاة العيد، خفف على عباده بإسقاط حقه لأن لجميع المسلمين أثرا في التخفيف. ألا ترى إنهم صلوا الظهر أربعا وصلوا الجمعة إذا اجتمعوا في الجامع ركعتين، فإذا ظهر التخفيف عند اجتماع المؤمنين بإسقاط حق الله تعالى وهو طاعة محبوبة عنده فأولى أن يظهر أثر التخفيف في إسقاط حقه في العقوبة وسببها جناية مبغوضة عنده..  وبالتحلل عـن الإحرام بالحلق بمنزلة السلام في الصلاة.. فعند الحلق يزول عن ظاهره كل ما عليه من التفث ومكروه الطبع بأمر الله تعالى فكأنه يقول له: “عبدي أزلت عن ظاهرك ما تكرهه بأمري فأولى أن أزيل عن باطنك ما أكرهه من المعاصي بعفوي” والحمد لله على فضله…

وآخر ما يعود على المسلم من الحج: تجربة تربوية لا يتعرض لمثلها مدة حياته أبدا. ذلك أن الدين يفرض على سلوك المؤمن رقابة صارمة لا تفوت له أدنى مخالفة بل أنها لتحاسبه حسابا عسيرا على كل ما يرتكب من مخالفات ولو يسيرة.

وقد حددت الآية القرآنية المحظورات في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فمن فرض فيهن الحج  فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾(197). وهذه المحظورات قد يستوجب فعلها فرض عقوبة على مرتكبها من صدقة أو إرهاق دم أو صيام أو غير ذلك يتم ضبطه بواسطة المؤمن نفسه لا بواسطة سلطة دينية أو دنيوية. وهكذا ينصب الإسلام من المؤمن رقيبا على نفسه يحاسبها ويضبط أهوائها ويقرر عقوبتها، فالعبد في نفس الوقت متهم وقاض ومنفذ، والله وحده هو المطلع عليه في ذلك كله، ينظر تصرفاته ويسجل نزاهة عمله في موسم الذكر والتقرب، وفي ذلك أعظم تربية لضميره ويتفق مع الآية السابقة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه الشيخان: “من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه”.

فالإسلام يعتبر الحج وسيلة لتحقيق الفوائد الروحية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية وتنطق بذلك هذه الآية ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾(الحج /27-28). وقد فسر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معا، والدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد. فإذا كان الدين يمد الروح بالإيمان الصحيح والآداب. فإن أمور الدنيا تمده بأسباب البقاء ودواعي الارتقاء.

فالحج موسم ومؤتمر. موسم تجارة وموسم عبادة. والحج مؤتمر اجتماع وتعارف وتعاون وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب، أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء، من أطراف الأرض، ثم أن لكل شعب من الشعوب الإسلامية صناعات ونبوغا وأن لبلادهم منتوجات لا توجد عند سواهم، وبواسطة هذا المؤتمر العام يمكن إبرام اتفاقات على تبادلها فيما بينهم. يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد. فهو موسم تجارة ومعرض نتاج وسوق عالمية تقام في كل عام. وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.

والحج مؤتمر عام لتوحيد غايات المسلمين وتوجيههم إلى مصادر الحياة الصحيحة بما يقتبسه بعض شعوبهم من ثقافات البعض الآخر… وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام في ظل الله بالقرب من بيت الله وفي ظلال الطاعات والذكريات في أنسب مكان وأنسب جو وأنسب زمان.

والحج بعد ذلك مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة: مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل ﴿ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ﴾ ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه وهذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا..

وهناك يجدون الحجاج رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين، الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد، راية العقيدة والتوحيد. غير أن أعظم ما يتحقق في مناسبة هذه الفريضة العظيمة من فرائض الإسلام هو اجتماع هذا الحشد الضخم من سائر أنحاء الأرض المسلمة وهي فائدة تعود ببركتها وخيرها على جماعة المسلمين إلى جانب ما تحقق لكل فرد منهم.

ومن المستحيل في أي مكان آخر أن يجتمع هذا العدد الهائل من ذوي القلوب النقية والمشاعر التقية، في مكان واحد، لهدف واحد، وبوجهة واحدة يهتفون بنداء واحد متصاعد إلى عنان السماء تردده معهم الأودية والجبال: ” لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك “.

هذا التجمع العظيم هو في الواقع أصدق ما يمثل الأمة الإسلامية اليوم، ويمهد لحل جذري لمشكلاتها على اختلاف الأوطان. فإن مشكلة هذه الأمة في عصرنا ليست إلا في بعدها عن عقيدتها وكتاب ربها وسنة نبيها.

فإذا جاء هؤلاء إلى البقاع المقدسة مخلفين وراءهم الدنيا، حاملين معهم آمال ذويهم، وهموم أوطانهم، لم يكن خيرا من أن يعرضوا هذه الهموم للتذاكر والمناقشة في مؤتمرهم الكبير العظيم، ومحاولة التوصل إلى حل لها في هذا الجو الروحاني الشفاف.

إن مشكلات الوطن العربي والإسلامي تزداد على الأيام تضخما، ويزيد من تعقدها اتصالها بالمشكلات الأخرى في العالم المعاصر، وجوهر هذه المشكلات في الواقع إما روحي: متمثل في موجات الإلحاد والإباحية الكاسحة التي غطت مساحات كبيرة من الأرض وأخضعت ملايين هائلة من الناس، ومع ذلك فإن الإلحاد لم يعد يستطيع أن يحل مشاكل أصحابه الداعين إليه بل انقلب على عقبيه وزاد أتباعه بلاء وخبالا حتى أصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم وهم لا يشعرون..

ويتمثل هذا المشكل الروحي أيضا في بعد أصحاب الدين عنه بعد أن نتج عنه تعطيل أحكام قدّس الله أمرها وائتمن عباده عليها، وبذلك عم الشك في قيمة الدين كحل لمشكلات البشر وصار الدين إطلاقا يشار إليه بالأصابع ويتهم بشتى الرذائل وأشنعها أنه يؤخر الشعوب ويستعبد العقول والأبدان.. لأن أصحاب الدين لم يعطوا القدوة الصالحة من أنفسهم ولم يقدموا التجربة الحية بتطبيق تعاليمه فتراكمت سحب الإهمال على جوانب الدين، وألهاهم عن هذا الواجب النبيل التفاتهم وانشغالهم بالحطام الفانية من جمع الأموال وجري وراء السلطان ولو على حساب مقدساتهم وتاريخ أصالتهم وهذه هي المشكلة الروحية في عالم اليوم.

وإما أن تكون المشكلات ذات طابع اقتصادي متجسم في الجوع الذي يداهم البشر من جراء طغيان بلدان الغنية على الضعيفة، ومن جراء التكاثر السكاني وسوء توزيع الثروات على وجه الخصوص، حيث ترتكز منها كميات ضخمة في مناطق من العالم حين يندر وجودها أو ينعدم تماما في مناطق أخرى حيث يقطن الكثير من المسلمين كما في الهند وباكستان وغيرهما من بلاد آسيا وإفريقيا.. وتلك المشكلة لا يمكن أن تعالج إلا على أساس إنساني دعا إليه الإسلام.

وليس كالحج مناسبة لبحث هذه المشكلات في إطارها الإسلامي وفي إطارها الإنساني لمحاولة إيجاد حل لها، يواجه الأزمة المتوقعة في شتى أنحاء العالم.

فالمشكلة مشكلة حرمان وجوع: جوع مادي هو خواء البطون، وجوع روحي هو خراب الضمائر، والصرخات التي تصم الآذان الآن إما صرخات معدة خاوية تطلب طعاما وإما صرخات ضمير معذب تطلب إيمانا. نحج البيت ولا نطعم الجائعين امتثالا لأمره تعالى: ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ وكأن إطعام البائسين لم يكن يوما من مناسك الحج المبرور فلو أطعمنا الفقراء مما رزقنا الله لأصبح العالم اليوم في أسعد حال ولدخل الناس في الإسلام أفواجا أفواجا.

وفي أيدي المسلمين حل المشكلة الاقتصادية الملحة على أساس من العدالة التي امتاز بها الدين الإسلامي الحنيف، ذلك الدين الذي حض على التعاون ودعا إلى التكافل ورغب في العمل، وندب دائما إلى الاجتماع من أجل مراجعة النفس ومناقشة الحساب، كما أن في أيديهم حل المشكلة الروحية المتأزمة على أساس من هدي الإسلام وتعاليمه.

ولم يا ترى لم تنتفع الأمة الإسلامية بشعائر الحج؟ وكيف أصبح أبناؤها أعداء يضرب بعضهم رقاب بعض؟ فالعيب أنهم متفرقون شيعا وأحزابا ينهضون بالعصبية فيقتلون ويقتلون عليها وأنهم رعية بلا إمام يحكم فيهم نهج الله القويم.. ألم يعلموا أن النصر من عند الله وأنه يقتضي وحدة الصف ووحدة الاعتقاد وصفاء الضمير وإخلاص النية، ويقتضي الطاعة واليقظة والدقة في التدبير والسرعة في الإنجاز وتوحيد القيادة خاصة؟ وما انتصر سيف الله خالد بن الوليد في وقعة اليرموك على جيوش الروم وفي شهر رمضان المبارك إلا بهذه المعطيات التي صارت تشهد له ولأمثاله على مدى التاريخ…

جاء في معجم البلدان للإمام ياقوت الحموي رحمه الله عن هذه الوقعة المباركة ما نصه: ” اليرموك واد بناحية الشام في طرف القور يصب في نهر الأردن ثم يمضي إلى البحيرة المنتنة. كانت به حرب بين المسلمين والروم في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقدم خالد الشام مددا لهم فوجدهم يقاتلون الروم متساندين كل أمير على جيش، أبو عبيدة على جيش ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة على جيش وعمرو بن العاص على جيش. فقال خالد: إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي فأخلصوا لله جهادكم وتوجهوا لله تعالى بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده فلا تقاتلوا قوما على نظم وتعبئة وأنتم على تساند وانتشار فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وأن من وراءكم لو يعلم عملكم حال بينكم وبين هذا. فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه هو الرأي من واليكم قالوا: فما الرأي؟ قال إن الذي أنتم عليه أشد على المسلمين مما غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم والله، فهلموا فلتتعاورن الإمارة، فليكن علينا بعضنا اليوم وبعضنا غدا والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم عليكم. قالوا نعم فأمّروه وهم يرون أنها كخرجاتهم فكان الفتح على يد خالد يومئذ. وجاءه البريد يومئذ بموت أبي بكر رضي الله عنه، وخلافة عمر رضي الله عنه وتأمير أبي عبيدة على الشام كله وعزل خالد. فأخذ الكتاب منه وتركه في كنانته ووكل به من يمنعه أن يخبر الناس عن الأمر لئلا يضعفوا إلى أن هزم الله الكفار قتل منهم فيما يزعمون ما يزيد على مائة ألف ثم دخل على أبي عبيدة وسلم عليه بالإمارة وكانت من أعظم فتوح المسلمين وباب ما جاء بعدها من الفتوح “.

فهلا تشبهنا قليلا بهؤلاء الرجال الذين باعوا نفوسهم لله ابتغاء رضوانه، فراحوا يفتحون حصون البلدان وأقفال الأبدان ويزرعون في الناس الحب والسلام، ولو رجع المسلمون إلى ماضيهم المجيد وأخذوا منه العبر والدروس وطبقوا ما تعلموه في ميادين حياتهم لأصبحوا اليوم سادة؟ وماذا ينتظرون فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم… وما ذلك على الله بعزيز…

6) الحج طريق إلى وحدة المسلمين

وهذه الحقيقة ما تزال قائمة بالقياس إلى المسلمين من كل أمة ومن كل جيل. من هم بغير الإسلام؟  وما هم بغير هذه العقيدة؟ إنهم حين يهتدون إلى الإسلام، وحين يصبح المنهج الإسلامي حقيقة في حياتهم ينتقلون من طور وضيع صغير ضال مضطرب إلى طور رفيع عظيم مهتد مستقيم. ولا يدركون هذه النقلة إلا حين يصبحون مسلمين حقا، أي حين يقيمون حياتهم كلها على المنهج الإسلامي. وإن البشرية كلها لتتيه في جاهلية عمياء ما لم تهتد إلى هذا المنهج المهتدي.

لا يدرك هذه الحقيقة إلا من يعيش في الجاهلية البشرية التي تعج بها الأرض في كل مكان ثم يحيا بعد ذلك بالتصور الإسلامي الرفيع للحياة ويدرك حقيقة المنهج الإسلامي الشامخة على كل ما حولها من مقاذر ومستنقعات وأوحال. فهذا هو الذي يذكر الله تعالى به المسلمين وهو يمتن عليهم بنعمته الكبرى ﴿ واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الظالمين ﴾.

والحج مؤتمر المسلمين الجامع، الذي يتلاقون فيه مجردين من كل آصرة سوى آصرة الإسلام، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام، عرايا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة، ولا يميز فردا عن فرد ولا قبيلة عن قبيلة، ولا جنسا عن جنس. إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة، ونسب الإسلام هو وحده النسب، وصبغة الإسلام هي وحدها الصبغة. وقد كانت قريش في الجاهلية تسمى نفسها “الحمس” جمع أحمس (الأشداء في الدين الشجعان) ويتخذون لأنفسهم امتيازات تفرقهم عن سائر العرب. ومن هذه الامتيازات أنهم لا يقفون مع سائر الناس في عرفات ولا يفيضون أي يرجعون من حيث يفيض الناس. فجاءهم هذا الأمر ليردهم إلى المساواة التي أرادها الإسلام وإلى الاندماج الذي يلغي هذه الفوارق المصطنعة بين الناس. قال جل ذكره: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ﴾.

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى: ﴿ من حيث أفاض الناس﴾. يعني قفوا معهم حيث وقفوا، وانصرفوا معهم حيث انصرفوا.

إن الإسلام لا يعرف نسبا ولا يعرف طبقة. إن الناس كلهم أمة واحدة، سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. ولقد كلّفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب، ليلتقوا في بيت الله إخوانا متساوين. فلا يتجردوا من الثياب ليتخايلوا بالأنساب. ودعوا عنكم عصبية الجاهلية وادخلوا في صبغة الإسلام واستغفروا الله من تلك الكبرة الجاهلية واستغفروه من كل ما مس الحج من مخالفات ولو يسيرة هجست في النفس أو نطق بها اللسان، مما نهى عنه من الرفث والفسوق والجدال.

وهكذا يقيم الإسلام سلوك المسلمين في الحج على أساس من التصور الذي هدى البشرية إليه، أساس المساواة وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة ولا يفرقها جنس، ولا تفرقها لغة ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعا. وهكذا يردهم إلى استغفار الله من كل ما يخالف عن هذا التصور النظيف الرفيع. ولنختم حديثنا بشهادة أحد المفكرين الأجانب وهو الدكتور “فيليب حتى” الذي يقول في كتابه “تاريخ العرب” عن الحج عند المسلمين: “ولا يزال الحج على كر العصور نظاما لا يبارى في تشديد عرى التفاهم الإسلامي والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين، وبفضله يتسنى لكل مسلم أن يكون رحالة مرة على الأقل في حياته وأن يجتمع مع غيره من المؤمنين اجتماعا أخويا، ويوحد شعوره مع شعور سواه من القادمين من أطراف الأرض. وبفضل هذا النظام يتيسر للزنوج والبربر والصينيين والفرس والترك والعرب وغيرهم أغنياء كانوا أم فقراء، عظماء أم صعاليك أن يتآلفوا لغة وإيمانا وعقيدة. وقد أدرك الإسلام نجاحا لم يتفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية خاصة بين أبنائه، فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر إلا الذي يقوم بين المؤمنين وبين غير المؤمنين ولا شك أن الاجتماع في مواسم الحج أدى خدمة كبرى في هذا السبيل.

وأعلم أن الله تعالى فرض الحج على المسلمين القادرين لحكم كثيرة: منها اجتماع المسلمين في صعيد واحد يعبدون إلها واحدا مخلصين له الدين القيم الذي هو أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وأن من قواعد هذا الدين أن أتباعه اخوة يجب عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى فيعمل كل منهم لنصرة صاحبه وإن بعدت أبدانهم وتفرقت منازلهم، وعليهم أن يذكروا في هذا الموقف أنهم بين يدي ربهم العلي القدير الذي خلقهم وفضّلهم على كثير من خلقه وأنهم سيموتون ويقفون بين يديه في يوم لا ينفع فيه سوى العمل الصالح والتمسك بما أمر الله به في كل شأن من الشؤون.

ثم أعلم رحمك الله أنه مما يتبادر إلى الذهن من أمر الحج أن أصحاب السلطة في المسلمين لو أرادوا أن يستخدموه في إحداث الوحدة الإسلامية لنجحوا. فإن اجتماع عشرات الألوف من الوفود في صعيد واحد من سائر أقطار الأرض واتجاه قلوبهم وأذانهم في ذلك الموقف المهيب لكل ما يلقي إليهم يستوجب أن يتأثر الكل بروح واحدة وأن يسري في نفوسهم تيار الجهاد بالنفس والنفيس ضد الكفر وأعوانه وضد الذين دنسوا ولازالوا يدنسون شرف مقدسات الإسلام وأن يعلم الكل أن الحج يسقط بعدم الاستطاعة.

فهل تتحقق الاستطاعة بلا أمن أم كيف يكون الأمن وعلى كل طريق من طرق الحج أعداء يتربصون بنا الدوائر؟ وهل يتحقق الأمن بلا جهـاد؟ كلا وألف كلا !! فبالجهاد يتحقق الحج وبالحج نعرف مغازي الجهاد. فإذا رجع الحجاج لأقطارهم وتشعبوا في قراهم وأمصارهم أذاعوا ما تعلموه بين ذويهم وكانوا لهم كأعضاء مؤتمر عام مشكل من جميع الأجناس والأجيال يجتمع أعضاؤه في كل عام مرة.

فأي تأثير تقدره لذلك الحدث الجلل حدث الوعي الشامل في حياة هذه الأمة الضخمة وأية نتائج جليلة ترجوها منه؟ إذا سوعد نهوض هذه الأمة من رقدتها فسيكون الحج من أكبر عواملها.. فهذا هو الحج المبرور وهذا هو الذي يجازي عنه الحاج بالرضا والرضوان، وإلا كان الحج سياحة لا تسمن ولا تغني من جوع!!!

اللهم بجاهك العظيم وبجاه نبيك الكريم وجاه بلدك الأمين والحجيج الميامين أبسط على الأمة الإسلامية نعمتك وانشر عليها رحمتك وعافيتك من كل بلية وأن تجعل حج المسلمين مبرورا وسعيهم مشكورا وذنبهم مغفورا آمين.