بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
اليهود في شبه الجزيرة العربية وإبطال بدعة وحدة المنحدر
من الثابت في التاريخ أن اليهود كانوا يرتادون التخوم العربية [1] منذ أقدم العصور. وذلك بحكم معيشتهم البدوية التي كانت تطلب التنقل الدائم بحثا عن الماء والكلأ، وكان العرب يحسنون معاملتهم عند نزولهم في مرابعهم ويسمحون لهم بعبور تخومهم رحمة بضعفهم وقلة عددهم. وبفضل هذا الكرم العربي النبيل توطدت الصلات بين بعض سكان التخوم الشمالية من العرب وبين اليهود، وأصبح اليهود أحرارا في تنقلاتهم ضمن المناطق العربية، ونزحت قبائلهم من البلاد الشمالية حيث كان الآراميون[2] يعتدون عليها إلى التخوم العربية ومنها إلى صحراء سيناء وما بعدها من البلاد، وهكذا تجمع اليهود في التخوم المصرية، ومن ثم عادوا يغزون البلاد الفلسطينية.
فلما استتب لهم الأمر فيها جزئيا، عمدوا إلى التضييق على القبائل العربية التي كانت تقيم فيها ، فقام الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين ودام طويلا وكان القتال سجالا وانتهى في عهد داود عليه السلام بخضوع سعير وبعض العشائر العربية إلى النفوذ اليهودي مؤقتا.
ولما دارت الدوائر على اليهود وانهارت دويلتهم الهزيلة وتشتتوا في الأقطار المجاورة، التجأ قسم كبير منهم إلى القبائل العربية دون حرج وكأنهم ما تنكروا يوما لها وما ساموا اخوتها في القومية سوء العذاب، ولكن العرب تناسوا مواقف اليهود المخزية وإهراق دماء عشرات الألوف من اخوتهم الذين قتلهم القاضي جدعون وسواه من اليهود، وعملوا حسب تقاليدهم العريقة التي تحضهم على مناصرة الملهوف فقبلوهم في ضيافتهم وكأنهم مـن أخلص الأصدقاء فأصبحت البلاد العربية من المناطق التي كان اليهود يعتبرونها ملاذا لهم، يتوافدون عليها كلما مسّهم الضر في مكان آخر[3].
وهكذا تكاثر عددهم في شبه الجزيرة العربية وخاصة في نجران واليمن وبدلا من أن يستكينوا ويبحثوا فيها عن الاستقرار عمدوا إلى إثارة القلاقل في مناطقها وبذر بذور الشقاق بين قبائلها كما نشروا الخرافات والأكاذيب بين أهلها ولم يحجموا عن دعوة أهلها لاعتناق المذهب اليهودي بحجة أنهم والعرب من أصل واحد أي أحفاد سام بن نوح عليه السلام، وبغية ترسيخ جذور هذا الادعاء الباطل في أذهان العرب زعموا أن العرب المستعربة تناسلوا من ثابت وقيدار حفيدي إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.. وكل هذا يفتقر إلى برهان قاطع ودليل قطعي إلا ما ورد عن ذلك في سفر التكوين!!
فلو كان لهذه المزاعم بعض الحظ من الصحة لكان من المفروض بالمصادر المصرية والآشورية والكلدانية أن تشير إليها ولو بكلمة ما، أما أن تثق بها لمجرد أنها وردت في التوراة ، هذا المصدر اليهودي الذي عدلوه عن قدسيته بتحريفاتهم الباطلة والذي أجمع النقاد على أنه كتب في القرن السادس قبل الميلاد ومن قبل مئات الأقلام، فذلك يعني الانسياق الأعمى وراء الأضاليل اليهودية والاستخفاف بالمميزات الخيرة التي أنعمها الله عز وجل علينا كالعقل والبصيرة والمنطق السليم.
كما أن التدليل على وحدة المنحدر العرقي بين العرب واليهود لما بين لغتيهما من التشابه والتقارب باطل أصلا، لأن أكثر المكتشفات الحديثة، أثبتت أن لغة اليهود الأصلية كانت عبارة عن لهجة كلدانية صوتية، كما أجمع النقاد على أن اليهود تعلموا اللغة الكنعانية القريبة من اللغة العربية بعد أن تمركزوا في فلسطين، وهذا يعني صراحة انهيار نظرية المنحدر المشترك التي تورط فيها كثير من كتاب العرب فلو جاز الأخذ بها لكان علينا أن نقول بأن الكلدانيين والآشوريين والآراميين هم من نفس المنحدر أيضا لما بين لغاتهم واللغة العربية من التشابه والتقارب ولأنهم من سكان المناطق الواقعة في شرق وجنوب أرمينيا التي زعم بعض المؤرخين بأنها منشأ السامية الأصيل.
وحق لنا لو أخذنا بهذه النظرية أن نصل إلى أن كل الشعوب التي قطنت الشرق الأوسط قبل عهد سيدنا موسى عليه السلام كانت أيضا من المنحدر المشترك المبحوث عنه وبالتالي ننتهي إلى النظرية العامة القائلة بانحدار البشرية جمعاء من أصل واحد.. وفي هذه الحال لا يصبح للبحث عن القوميات معنى.
ونرى من ناحية ثانية أن اختلاف العادات والتقاليد بين العرب واليهود، يشكل بحد ذاته عنصرا أساسيا في دحض نظرية المنحدر المشترك، هذا الخلاف الذي يؤكده التوراة بما ينسبه لأصحابه من العادات والتقاليد التي يندى لذكرها الجبين والتي لا يمكن أن تتفق مع ما عرف عن العرب من التمسك بالفضائل والمكارم عبر التاريخ.
وأخيرا أن ما ورد في قصص التوراة عن إصرار أسلاف اليهود وخاصة رسول الله إبراهيم عليه السلام بتزويج أبنائهم من بنات قومهم المشركات اللواتي كن يسكن في بلاد الكلدان البعيدة بدلا من تزويجهم من بنات العرب القاطنات بالقرب منهم وما في ذلك من توفير للمال واجتناب للمشقة والأخطار ، لهو وحده كاف لتكذيب بدعة وحدة المنحدر، لأنه كان من المفروض على نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي ولد عام 292 بعد الطوفان أن يكون عالما بهذه الصلة العرقية وأن لا يفرق بين بنات الكلدان وبنات العرب المنحدرات (على حد زعم التوراة) من صلب قحطان شقيق جده الرابع ( الحفيد الثالث لسام والذي عاش قبل قرن واحد من ميلاد إبراهيم عليه السلام ) باعتبارهن جميعا من صلب سام. فلو كان سيدنا إبراهيم يعتقد فعلا أن العرب هم من أحفاد قحطان لما فرق بين بناتهم وبنات الكلدان. ولوفر على قيَم بنته مشقة السفر الطويل وعلى ابنه بذل المال الوفير لو سمح له الاقتران بعربية، أما أنه لم يفعل فهذا يدل صراحة على أن اليهود كانوا لا يعترفون قبل ظهور التوراة بهذه الصلات ولا يعلمون بها ولم تكن في يوم موضع بحث لديهم إلا عندما أصبحت لهم فيها مآرب فابتدعوها لربط مصير العشائر العربية كآدوم وسعير وكالب بمصيرهم لأغراض سياسية …ومنها إرغام هذه العشائر العربية على التعاون معهم وإبقاؤها تحت سيطرتهم بيد أن هذه العشائر العربية أحجمت على الانسياق وراء هذه المزاعم، فظلت على مقاومة اليهود ودام النزاع بينهما حتى عهد الرومان [4] .
ويظهر جليا مما سبق ذكر عقم نظرية المنحدر المشترك، ولكن ما حيلتنا فالقضية أصبحت شبه مسلم بها لما مرّ عليها من الزمن الطويل ولما أحاط بها من التباس وغموض..والكل مفتعل ومقصود بغية التمويه عن الجرائم التي اقترفها اليهود في شبه الجزيرة بحق العرب والعروبة مثل جريمة الملك العربي (ذو نواس) وشعبه وتحريضه على محو عرب نجران من الوجود وإرغامهم على اعتناق اليهودية، والمذابح العربية التي أقدم عليها القاضي جدعون ومن تولى من أترابه القضاء في إسرائيل من بعده[5].
نستطيع أن نقول اعتمادا على التاريخ المدون لا الخرافي أن تاريخ اليهود العبريين بدأ في فلسطين سنة 1030 قبل الميلاد، وذلك بتتويج الملك (شامول) بفضل الجهود التي بذلها نبيهم صمويل. وقد عرفت هذه الفترة ملكين كبيرين ونبيئين كريمين فقط هما داود وابنه سليمان الذي انتهى حكمه سنة 920 ق م. وبوفاة سيدنا سليمان عليه السلام تمزق ملك بني إسرائيل وأصبح الوجود العبري في فلسطين من الناحية السياسية وجودا ضعيفا مهددا بالزوال.
وعلى ذلك فإن الفترة التي قامت فيها لليهود قائمة في فلسطين القديمة لا تتعدى كلها قرنا واحدا من الزمان من (1030 ق م إلى 920 ق م) هي كل ما يمكن اعتماده خلال ستة آلاف سنة أو تزيد من وجود الشعب الفلسطيني الأصيل في هذا البلاد.
وفي سنة 63 م احتل الرومان فلسطين وشددوا الرقابة على اليهود لكثرة ما قاموا به من فتن وثورات انتهت بثورة (بركوكبا) سنة 132 في عهد الإمبراطور “إيليوس هدريان” فأصدر الإمبراطور أمرا بقتل أي يهودي يعثر عليه في فلسطين وهدم أي بناء عليه علامة تثبت انتماءه لليهود، بل غيرت اسم المدن وأخذت أسماء رومانية مثل أورشليم التي عرفت باسم إيليا من اسم الإمبراطور إيليوس.
ومنذ ذلك التاريخ لم تقم لليهود قائمة حتى سنة 1948 م عندما أعلن حاييم وايزمان قيام دولة إسرائيل[6].