بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
من مقاصد الشريعة السمحاء(1)
… تابع
ودليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه فيحاول الحكم عليه كالمشتري الذي اطلع على عيب قديم في المبيع وداواه أو عرضه للبيع كان ذلك رضا منه بالعيب فعرضه للبيع دليل على الرضا. كما تدل الخلوة بالأجنبية على الوطء وتقوم مقامه في إلزام الزوج كل المهر لأن الوطء مما يخفى. كما يدل توسع موظفي الدولة التابعين لبيت المال والجباة في الأموال والترف على خيانتهم الباطنة، فللحاكم مصادرتهم بأخذ الأموال وعزلهم ورد المظالم إلى أهلها.
والكتاب المستبين الصادر من الغالب كالخطاب من الحاضر. والإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان من نكاح وطلاق وعتق وبيع وإجارة وهبة ورهن وإبراء وإقرار وإنكار وحلف ونكول غير الحدود والشهادة، وفي القصاص خلاف، ولا تعتبر الإشارة من القادر على التكلم إلا في مسائل منها الإسلام والكفر والنسب والإفتاء أو كانت غير مستقلة كأن استعان بها على تفسير لفظ مبهم في كلامه، كما لو قال لزوجته أنت طالق هكذا وأشار بثلاث فيقعن بخلاف ما لو قال أنت طالق وأشار بثلاث فإنه يقع واحدة.
ويقبل قول المترجم مطلقا إذا كان عدلا ذكرا، عارفا باللغتين، بصيرا، وفي كون الحاكم غير عالم بلغه الخصوم. واتخاذ المترجم قديم في الجاهلية والإسلام، واستعمله النبي ” صلى الله عليه وسلم” فإنه لما جاء سلمان الفارسي رضي الله عنه ترجم يهودي كلامه فخان فيه فنزل جبريل عليه السلام بذلك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرانية فكان يترجم بها للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولا عبرة بالظن البيّن خطأه، كما لو تكلمت زوجته فقال هذا كفر وحرمت عليّ ثم تبين أنه ليس بكفر فلا تحرم عليه..
ومن قامت عليه الحجة لا يخلو من التهمة التي إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله ولا عبرة بالاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل، فلو أقرّ مثلا أحد لأحد ورثته بدين أو عين فإن كان في مرض موته لا يصح مالم يصدقه باقي الورثة ولو في حياة المورث أو يجبروه بعد موته لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الإقرار حرمان سائر الورثة مستند إلى دليل وهو كونه في المرض.
ولا يبنى الحكم الشرعي على التوهم بل يعمل بالثابت قطعا أو بالظاهر دونه، والثابت بالبرهان كالثابت بالعيان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البيّنة على من ادعى واليمين على من أنكر” والحكمة فيه أن جانب المدعي ضعيف لأنه يدعي خلاف الظاهر، فكانت الحجة القوية واجبة عليه ليتقوّى بها جانبه الضعيف، والحجة القوية هي البيّنة وجانب المدعى عليه قوي لأن الأصل عدم المدعى به فأكتفى منه بالحجة الضعيفة وهي اليمين وهذا اصل لا يٌعدل عنه. ويشترط للقضاء بالبيّنة حضور الخصم بنفسه أو حضور نائب عنه عند أداء الشهود الشهادة إذا كان الخصم تحت ولاية الحاكم وإذا لم يكن تحت ولاية الحاكم فسمعها وكتب بها للحاكم الذي كان المدعى عليه تحت ولايته، فيشترط للقضاء بها تلاوتها من طرف الحاكم المكتوب إليه على المدعى عليه أو نائبه لأنه لا يقضى على غائب ولا له من غير حضوره أو حضور نائب إلا في بعض المسائل، وشرعت البيّنة لإثبات خلاف الأصل واليمين لإبقائه، فإذا تمسك أحد المتخاصمين بالأصل كبراءة الذمة وعجز الآخر عن إقامة البيّنة على ما ادعاه من خلافه يكون القول قول من تمسك بالأصل بيمينه وتتعدى حجة البيّنة إلى غير من قامت عليه وملزمة له .
والإقرار حجة قاصرة على نفس المقر إذ المرء مؤاخذ بإقراره إذا كان بالغا عاقلا طائعا فيه ولا مكذبا فيه بحكم الحاكم، ولم يكن مٌحالا من كل الوجوه عقلا أو شرعا ولا محجوزا عليه ولا ممن يكذبه ظاهر الحال وأن لا يكون المقر له مجهولا جهالة فاحشة وإلا بطل إقراره.
ولا حجة مع التناقض ولكن لا يختل معه حكم الحاكم كما لو رجع الشاهدان عن شهادتهما لا تبقى شهادتهما حجة ما لم يحكم القاضي بها، وإذا حكم القاضي بما شهدا ينفذ حكمه ويلزم على الشاهدين ضمان المحكوم به.
وقد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل، كما لو أقامت امرأة البيّنة على النكاح والزوج غائب فإنه يقضي بالنفقة لا بالنكاح، وكذا لو أوقع على إحدى زوجيه طلاقا مبهما ثم ماتت إحداهما قبل البيان تتعين الأخرى للطلاق ولا يعتبر قوله عنيت بالطلاق التي ماتت ويحرم الميراث بسببه.
والمعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط، كمن قال لامرأته: أنت طالق إلا أن يقدم زيد وتقديره إن لم يقدم زيد فامرأته طالق ويلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان، فعن انس بن مالك وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك “.
والمواعيد بصور التعليق لازمة لحاجة الناس إليها كالنذور إلا في معصية، فلو قال رجل لآخر بع هذا الشيء لفلان وإن لم يعطك ثمنه فأنا أعطيه لك فباعه ثم طالبه بالثمن فلم يعط المشتري للبائع شيئا بعد مطالبته له بامتناع أو مماطلة لزم على الرجل أداء الثمن المذكور للبائع بناء على وعده المعلق، أما قبل المطالبة فلا يلزم الرجل شيء.
واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يٌضمن والخراج بالضمان فما لم يدخل في ضمانه لم يسلم له خراجه، وخراج الشيء ما حصل منه والذي يكون منه بمقابلة الضمان ما كان منفصلا غير متولد كالكسب والأجرة والهبة والصدقة فإنه يطيب لمن كان عليه الضمان، فلو استأجر دارا ببدل ثم أجّرها بأضعاف فلا تجوز له الزيادة إلا إذا أصلحها بإحداث ما نشاهد عينه فيها كبناء وتخصيص.
والأجر أعني بدل المنفعة، والضمان أعني الغرامة لقيمة الشيء أو نقصانه لا يجتمعان إذا اتحدت جهتهما، أما إذا اختلفت، كما لو استأجر دابة لركوبه فركبها وأردف وراءه آخر يستمسك بنفسه وكانت تطيق حمل الإثنين فعطبت بعد بلوغ المقصد فعليه كل الأجر ويضمن نصف قيمتها لعدم اتحاد جهتي الأجر والضمان، ولو كانت لا تطيق حمل الإثنين ضمن كل قيمتها، والضمان يكون بسبب التعدي، والتعدي على مال الغير غصب له ومنافع المغصوب غير مضمونة لأنها معدومة وعند وجودها فهي أعراض تقوم بعقد الإجارة على خلاف القياس لمكان الحاجة الضرورية إليها.
ثم إن الصور الممكنة التي تدور عليها هذه القاعدة عشر وذلك لأن التعدي الذي هو سبب الضمان إما أن يكون بعد استفاء المنفعة المعقود عليها كلها كما إذا استأجر دابة ليركبها إلى مكان معين فركبها إليه ثم جاوزه بمسافة لا تسامح في مثلها أو يكون التعدي بعد استيفاء بعضها كما إذا استأجرها ليركبها إلى مكان معين فركبها قاصدا له ولكن في أثناء الطريق عرج إلى مكان أخر لا يتسامح في مثله عادة أو أستأجرها ليركبها إلى الكوفة مثلا ذاهبا وجائيا فجازوا بها الكوفة بمسافة لا تسامح في مثلها ثم عاد إلى الكوفة أو يكون التعدي قبل استيفاء شيء من المنفعة كما إذا استأجرها ليركبها إلى مكان معين فركبها إلى غيره. وفي كلا الوجهين الأخيرين من الثلاثة إما أن يستوفي بعد التعدي المنفعة المعقود عليها أو لا فهذه مع الوجه الأول صارت خمس صور وفي كل صورة إما أن تسلم العين المأجورة أو تتلف فتلك عشرة كاملة.
والغٌرم بالغٌنم كمؤونة كراء النهر المشترك وتعمير ما فاته وتطهير مائه فإنها على الشركاء بمقابلة انتفاعهم بحق الشرب.
ويضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الأمر ما لم يكن مجبرا لغيره به – والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل ومتى بطل الأمر لم يضمن الآمر . فالآمر سبب والفاعل علة. والأصل في المعلومات أن تضاف إلى عللها إذ هي المؤثرة فيها. فلو أمر إنسان غيره بإتلاف مال أو تعييبه أو بقطع عضو محترم أو بقتل نفس معصومة ففعل فالضمان والقصاص على الفاعل لا على الآمر إلا إذا أكره الفاعل وأجبره على الفعل كأمر السلطان لأنه إكراه على العموم. وإذا اجتمع المباشر للفعل والمتسبب له يضاف الحكم إلى المباشر أعني إلى الفاعل، فلو حفر رجل بئرا في الطريق العام بلا إذن ولي الأمر فألقى أحد حيوان شخص فيها ضمن الذي ألقى الحيوان لأنه العلة المؤثرة.
والجواز الشرعي ينافي الضمان كما لو حفر إنسان بئرا في ملكه الخاص أو في الطريق العامة ولكن بإذن ولي الأمر فوقع فيها حيوان رجل بنفسه أو وقع فيها إنسان فهلك لا يضمن حافر البئر شيئا، ويشترط في هذا الأمر المباح أن لا يكون مقيدا بشرط السلامة ولا عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه.
والمباشر ضامن وإن لم يعتمد كما لو زلق إنسان فوقع على مال آخر فأتلفه أو أتلف مال غيره يظنه ماله فإنه يضمن في الصورتين، فالخطأ يرفع عنه إثم مباشرة الإتلاف فقط لا ضمان المتلف بعد التعدي.
والعمد يجعل المتسبب في ضرر غيره ضامنا، كما لو دفع السكين إلى صبي فوقعت من يده فجرحته أو حفر في غير ما له حق الحفر فيه فتدهور في حفرته حيوان فهلك أو سقى أرضه سقيا غير معتاد فأضر بجاره ضمن في كل هذا لتعديه وتعمده. وما تفعله البهيمة من الإضرار بالنفس أو بالمال جٌبار، هدر باطل لا حكم له، إذا لم يكن منبعثا عن فعل فاعل مختار كسائق أو قائد أو راكب أو ضارب ونحو ذلك.. لحديث رواه مالك وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه والطبراني في الكبير عن عمرو بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” العجماء جرحها … ” ويضمن صاحبها فيها إذا أتلفت شيئا لغيره بحضوره ولم يمنعها.
واعلم أنه لا يجوز لأحد أخذ مال غيره ولا التصرف فيه بدون إذن أو إجازة صاحبه أو لسبب شرعي ولو والدا أو ولدا أو زوجا. فقد روى البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم ألحنٌ بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمعٌ فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ”
وتبدّل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات لما ورد صحيحا في لحم أهدته – بريرة – رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم فقيل له إنه تصدق به عليها فقال: “هو عليها صدقة و لنا هدية” فأقام صلى الله عليه وسلم تبدل سبب الملك من التصدق إلى الإهداء فيما هو محضور عليه وهو الصدقة مقام تبدل العين.
ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه فلو جاءت الفرقة من قبل الزوجة بسبب ردتها فليس لها أن تتزوج بعد توبتها بغير زوجها وتجبر على تجديد العقد على زوجهـا بمهر يسير وذلك لرد عملها الخبيث، عليها.
ومن سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه كما لو أقر ثم ادعى الخطأ في الإقرار فإنه لا يسمع منه، أو تراكمت نفقة الزوجة المقضى بها أو المتراضي عليها ولم تكن مستدانة بأمر القاضي فطلقها بائنا لتسقط النفقة المتراكمة في ذمته لا لذنب اقترفته فإن سعيه هذا مردود عليه وقصده باطل.
فافهم ما قدمتٌه لك من الدرر الفقهية، وإن أردت المزيد فاسأل عنها أربابها، ولا تقدمنّ على أمر حتى تعلم حكم الله فيه.
واعلم أن الله تعالى تجاوز لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ