Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

لبيك يا قدس

لبيك يا قدس

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.

المعتقدات اليهودية عبر التاريخ

منذ أقدم العصور والاعتقاد السائد هو أن الديانة اليهودية كانت دائما وحدانية، وهذا الاعتقاد هو الذي أوهم الناس بأن كلا من الديانتين النصرانية والإسلامية انبثقت عنها. والشيء الذي دعم هذه النظرية ما قاله المسيح عليه السلام إنه جاء ليكمل وليس ليهدم. ونحن ان كنا نعترف بأن الشريعة اليهودية القائمة حاليا هي وحدانية إلا أنه لا يسعنا التسليم بأنها كانت دائما كذلك لأن نصوص سفر الخروج في هذا الموضوع هي أصرح من أن تكون موضع جدل، إذ أنها تقول: إن اليهود كانوا يعتبرون “يهوى” الرب الخاص بهم ولهذا أطلقوا عليه لقب رب إسرائيل. كما أنها تشير إلى أنهم كانوا يعتقدون بوجود آلهة أخرى اختصت بالأقوام المختلفة، ويقولون: إن “يهوى” كان يناصرهم على الأقوام العدوة وآلهتها معا.

وسفر القضاة[1] يذكر هو الآخر أن اليهود كانوا يتخذون أسماء الآلهة الغريبة ليتباركوا بها تجنبا لنقمتها وغضبها. كما أن يهود مصر (في العصر الفارسي) كانوا يشركون البعول والآلهة المصرية مع “يهوى” في مذبحه، ويقدمون لها الذبائح والقرابين على قدم المساواة معه. وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن اليهود لم يكونوا قط موحدين بل أنهم كانوا يعبدون “يهوى” في المرتبة الأولى ويشركون به آلهة أخرى أو على الأقل يعترفون بوجودها وهذه العبادة تسمى بالعبادة التفصيلية وهي نوع من الشرك.

ويا ليت اليهود ظلوا على ما كانوا عليه، لأن اعترافهم بأن “يهوى” هو الرب الأوحد العام مع الاحتفاظ بفكرة تخصصه بهم جعلت مطامعهم السياسية موازية مع هذه الفكرة الجديدة التي شرع زعماؤهم وكتابهم بتعميمها على أفراد شعبهم وحثهم على الاعتقاد بأنهم سادة البشر وأحفاد من اختيروا لتوجيه وقيادة الشعوب الأخرى. ومن هنا تكونت لدى اليهود فكرة التفوق العنصري ورسخت في أذهانهم نزعة السيادة اليهودية العالمية ودأبوا على السعي لتحقيقها منذ ظهور شريعتهم الجديدة [2]

1- الديانة اليهودية من موسى إلى عيسى عليهما السلام

تنتمي الديانة اليهودية إلى أصول جاء بها الرسول الذي بُعث بهذه الديانة وهو سيدنا موسى عليه السلام حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وأهم هذه الأصول هو الإيمان بأن الله واحد لا يشاركه في ملكه أحد وأن عبادة الأصنام من تماثيل أو صور أو كائنات طبيعية كالجبال أو الأشجار حرام.

وهذه الوحدانية الموسوية لم تكن إلا تجديدا تمّ بإرادة الله سبحانه وتعالى لدعوات سابقة إلى الخضوع لإله العالم الواحد الذي لا شريك له، وتجنب عبادة الأوثان. وكان من أشهر من أتى قبل موسى من الرسل بهذه المبادئ القويمة سيدنا إبراهيم عليه السلام وأنبياء كثيرون آخرون من أشهرهم نبي الله أيوب عليهم أجمعين أفضل الصلاة والسلام.

كانت القيادة قبل الإسلام لبني إسرائيل. كانوا هم أصحاب عقيدة السماء التي اختارها الله لتلك الفترة من التاريخ. ولابدّ للبشر من قيادة مستمدة من السماء. فالأرض قيادتها هوى أو جهل أو قصور. والله خالق البشر هو وحده الذي يشرع لهم شريعة مبرأة من الهوى، فكلهم عباده، مبرأة من الجهل والقصور فهو الذي خلقهم وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير. قال تعالى: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ (الجاثية/17.16).

فكان فيهم التوراة شريعة الله وكان فيهم الحكم لإقامة الشريعة وكان فيهم النبوة بعد رسالة موسى عليه السلام وكتابه للقيام على الشريعة والكتاب، وكثر فيهم الأنبياء وتتابعوا فترة طويلة نسبيا في التاريخ.

فكانت مملكتهم ونبواتهم في الأرض المقدسة الطيّبة الكثيرة الخيرات بين النيل والفرات. وكان تفضيلهم على أهل زمانهم بطبيعة الحال وكان مظهر هذا التفضيل الأول اختيارهم للقيادة بشريعة الله وإيتائهم الكتاب والحكم والنبوة. فكان ما أتوه من الشريعة بينا حاسما فاصلا لا غموض فيه ولا لبس ولا عوج ولا انحراف فلم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف في هذا الشرع البيّن كما وقع منهم وما كان هذا من غموض في الأمر ولا كان عن جهل منهم بالصحيح من الحكم، إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم ونزاع وظلم مع معرفة الحق والصواب وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض وبطل استخلافهم وأمرهم بعد ذلك إلى الله يوم القيامة[3] .

والأمر الذي أعطى للديانة اليهودية شهرتها وميزتها هو كونها وقفت في وجه قوات وثنية هائلة تعرضت منها للفناء ولكنها انتهت بخروجها من هذا الصراع منتصرة، وكان ذلك عندما تحدى سيدنا موسى عليه السلام فرعون ولم يعبأ بفخامة ملكه ولا بقوته وثروته.

ثم توالت الأحداث على اليهود فخرج بهم موسى وأخوه هارون من مصر، ثم راحوا يهيمون في الصحروات الواقعة بين مصر والشام. قال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤتِ أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ﴾ (المائدة/21.20) وإننا لنلمح في كلمات موسى عليه السلام إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب.

فلقد جربهم من قبل “في مواطن كثيرة” في خط سير الرحلة الطويلة، جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر، وحررهم من الذلّ والهوان باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر، وأغرق لهم فرعون وجنده، فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم فيقولون “يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة”. وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربّه حتى يتخذ السامري من الحلي التي سرقوها معهم من نساء المصريين عجلا ذهبا له خوار، ثم إذا هم عاكفون عليه يقولون: إنه إله موسى الذي ذهب لميقاته.

وجربهم وقد فجّر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء، وأنزل عليهم المنّ والسلوى[4] طعاما سائغا، فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر أرض الذلّ بالنسبة لهم فيطلبون بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص، والهدف الأسمى الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون.

وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكئوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾. وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم، بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا، ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقا فوق رؤوسهم ﴿وظنوا أنه واقع بهم﴾ .

لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل ثم ها هو معهم على أبواب الأرض المقدسة، أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا، الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكا وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته..

ولكن إسرائيل هي إسرائيل! الجبن والتمحل والنكوص على الأعقاب ونقض الميثاق.. أبوا أن يدخلوا الأرض المقدسة لأن فيها “قوما جبارين” فهم يريدون وعد الله لهم هذا نصرا رخيصا لا ثمن له ولا جهد فيه، نصرا مريحا يتنزل عليهم تنزل المنّ والسلوى. اقتعسوا وجبنوا عن القتال ولو بالدخول عليهم لأن في الدخول على أعدائهم نصرا لهم “ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون”: قاعدة في علم القلوب والحروب والمراد أقدموا واقتحموا فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم شعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم.

ولكنهم رغم هذه الخطة الحربية الربّانية وما زادهم هذا التوجيه إلا جبنا وذعرا ونكوصا على الأعقاب. فانتقم الله منهم حيث أسلمهم للتيه وهم على أبواب الأرض المقدسة وحرّمها عليهم أربعين عاما ريثما يأتي جيل آخر يعتبر بهذا الدرس[5]

وبعد وفاة موسى عليه السلام أخذوا يتسللون إلى فلسطين التي اسموها أرض الميعاد. ويستقرون هناك على شكل عشائر بدوية تعيش على هامش المراكز السكانية المتحضرة للفلسطينيين في أريحا وشكيم (نابلس) وبئر سبع وجات (عراق المنشية) وغزة ويبوس (القدس) بدأ هذا التسلل في عهد يوشع بن نون خادم موسى ورفيقه في السلاح. واستمر في عهد القضاة، وهم نوع من الحكام البدو، والزعماء العسكريين للقبائل أو الأسباط الأثنى عشر التي كانوا بنوا إسرائيل ينقسمون إليها.

في كل هذا الوقت كانت الديانة اليهودية تتطور. وكان لابد لبني إسرائيل من محور ديني تدور من حوله حياتهم الروحية والاجتماعية وكان هذا المحور يتمثل في مجموعة من التعاليم والطقوس والعبادات مصوغة داخل سرد تاريخي لما حدث في العالم منذ اليوم الأول الذي أراد فيه الله سبحانه وتعالى أن يخلق الخليقة إلى اليوم الأخير من حياة رسول الله موسى عليه السلام وهذه المجموعة تسمى “التوراة”.

كان اليهود يكتبون بقدر الإمكان ما وصلهم عن موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيفة واحدة طويلة “طومار” مصنوعة من الجلد أو الرق، ويضعونها في صندوق يوضع بدوره في محراب المعبد حيث تقام الصلوات. وهذه الصلوات ثلاث: الأولى في الفجر واسمها “شحريت” والثانية بين الظهر والعصر في وقت الراحة بعد الغداء واسمها “منحة” والثالثة بعد غروب الشمس واسمها “عربيت”.

وكانت لليهود أماكن مقدسة يزورونها للحج مثل “بيت ايل” القريب من نابلس والجلجال والرامة وغيرهما. وكان الحج عندهم حفلا صاخبا يكثر فيه الصياح والتهليل والغناء بالأناشيد والتسابيح كما تأتي فيه إلى المعبد الذبائح والتقدمات من العسل والسمن والدقيق والزيت والمنسوجات والحلي والجواهر أحيانا.

واستمر تطور الديانة الإسرائيلية بعد حكم القضاة في ظل مملكة بني إسرائيل القديمة التي تعاقب عليها منذ حوالي سنة 1000 ق م.”شاؤول” ثم “داود وابنه سليمان” عليهما السلام. وبوفاة نبي الله سليمان تمزقت هذه المملكة وبدأ الاضمحلال بانقسامها إلى مملكتين إحداهما في الجنوب عاصمتها أورشليم (القدس) ويجلس على عرشها “رحبعام بن سليمان” وكانت تسمى مملكة يهوذا، وهو السبط الذي ينتمي إليه داود وسليمان. ومن اسم هذه المملكة حمل العبريون أو بنو إسرائيل اسم “اليهود”.

أما المملكة الشمالية فكانت عاصمتها السامرة بالقرب من نابلس اسمها “يربعام” بن نباط أحد قواد سليمان الذين أعلنوا التمرد عليه وهو بعد على قيد الحياة وكانت تسمى مملكة إسرائيل.

وفي ظل المملكة ثم المملكتين المنشقتين كانت السلطة الدينية تمارس بيد الكهنة الآويين أي المنتمين إلى سبط لاوى أو ليفي حسب ما أقره مأثور التوراة المنسوب إلي موسى عليه السلام. وبهذه المناسبة فإن موسى نفسه وأخاه هارون عليهما السلام كانا من هذا السبط. هذا من الناحية الرسمية، أما على مستوى الشعبي فقد ظهرت طائفة “الأنبياء”[6] الذين تزعموا الأمة روحيا وقادوها ضد الظالمين من ملوك اليهود وحاولوا دائما أن يكونوا مصلحين سياسيين ودينيين واجتماعيين وأن تكون وظيفتهم المعارضة في كل ما يرونه ضارا بالكيان اليهودي.

وفي ظل الملكية بدأت الحياة الدينية لليهود تجتاز مرحلة تنظيمية جديدة. فسليمان عليه السلام بنى في أورشليم هيكلا مركزيا جعله أعلى المعابد درجة لكل إسرائيل. والأنبياء راحوا من جانبهم يأخذون بيد الشعب على طريق الوحدانية، ويهاجمون الملوك ومن يحتمي بهم من كهنة الدين، وراح الجميع في الشمال والجنوب يكتبون الشرائع والأحكام والقصص ومواعظ أولئك الأنبياء وما أخذ بقلوبهم من النصوص الشعوبية والقصصية التي لها صفة القدسية، كما بدأ الخلاف على تفسير بعض الشرائع.

وفي سنة 730 ق م يتم تدمير مملكة إسرائيل على يد الأشوريين ثم تلحق بها مملكة يهوذا عندما يجتاحها الإمبراطور الكلداني”نبوخذ نص” (بختنصر) حوالي سنة 597ق م ويعيش اليهود حياة دينية بعيدة عن أي سلطان سياسي في خارج فلسطين إلا فترة قصيرة سمح لهم فيها بالعودة إلى فلسطين تحت نفوذ الإمبراطور الفارسي “قورش” في القرن الخامس قبل الميلاد.

ومن المؤكد أن فكرهم الديني بعد زوال الكيان السياسي قد تأثر بشكل يلخص فيما يلي:

أولا: حرصهم على جمع التراث المقدس وقد تكون من ذلك العهد القديم. وينقسم العهد القديم إلى ثلاثة أقسام:

  • التوراة المنسوبة إلى موسى بأسفارها الخمسة: التكوين والخروج والآويين والعدد والتثنية.. وهي سرد تاريخي تتخلله الشرائع والأحكام التي أهمها ما يسمى “الوصايا العشر”.
  • الأنبياء وهم قسم من العهد القديم تتصل فيه الرواية التاريخية بعد موت نبي الله موسى حتى نهاية الكيان اليهودي وبدء السبي البابلي.
  • أسفار الحكمة أو المكتوبات وهي مجموعة من النصوص الرائعة بأسلوبها ومضمونها الروحي حافظ عليها اليهود وقدّسوها وجعلوا القسم من العهد القديم ونسبوها إلى بعض ملوكهم وأنبياءهم مثل مزامير داود وأمثال سليمان عليهما السلام إلخ…

ثانيـا: أصبح الدّين ليس مجرد سلوك خلقي وروحي، بل جنسية وعصبية أيضا. فالعهد القديم جاء من الرب لبني إسرائيل وحدهم، ووعدهم بالتسلط على الناس جميعا بشرط الطاعة لهذا الإله ومع ذلك فعند المعصية يؤدبهم الرب بشدة أحيانا ولكنه لايفنيهم كما يفعل بالأمم الأخرى. وهكذا تبلورت هذه العصبية التي تجمع بين القومية والدّين في تسمية اليهود أنفسهم: “شعب الله المختار”

_________________________

[1] هو الزمن الفاصل بين موت يشوع وقيام المملكة اليهودية والذي يقدر بثلاثة قرون ونصف
[2] أنظر “المفسدون في الأرض” للأستاذ ناجي.
[3] “في ظلال القرآن” لسيد قطب رضوان الله عليه.
[4] المنّ: كانوا يجدونه على الأشجار حلوا كالعسل. السلوى: طائر السماني يجدونه بوفرة قريب المنال
[5]  في “ظلال القرآن”
[6]  أمثال صمويل وناتان وهوشع وعاموس وأشعياء وأرمياء وحزقيال ودنيال وغيرهم.