Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

لبيك يا قدس

لبيك يا قدس

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.

لا تسامح مع أعداء الله إلاّ تحت ظل راية التوحيد

وبعد هذا كله يظهر بيننا من يظن في بعد كامل عن تقريرات القرآن الجازمة أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر ندفع به المادية الإلحادية عن الدّين.

إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام فظنوها دعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (المائدة/51) إن هذا النداء موجه إلى الجماعة المسلمة في المدينة ولكنه في الوقت نفسه موجه لكل جماعة مسلمة تقوم في أي ركن من أركان الأرض إلى يوم القيامة تكفر بالطاغوت وتؤمن برسالة التوحيد. موجه لكل من يتصف بـ ﴿الذين آمنوا﴾.

إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية يخطؤون فهم معنى الأديان كما يخطؤون فهم معنى التسامح. فالدّين هو الدّين الأخير وحده عند الله والتسامح يكون في المعاملات الشخصية لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي.

إن الإسلام يكلّف المسلم أن يقيم علاقاته بالناس جميعا على أساس العقيدة. فالولاء والعداء لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على السواء إلا في العقيدة. وكيف يتناصر المسلم والكافر وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه؟؟

إن الإسلام لا يكرههم على ترك معتقداتهم واعتناق الإسلام لأنه لا إكراه في الدّين ولكن هذا ليس معناه أنه يعترف بما هم عليه “دينا” ويراهم “على دين”.

ومن ثم فليس هناك جبهة تَدَيُّن يقف معها الإسلام في وجه الإلحاد هناك دين هو الإسلام وهناك “لا دين” هو غير الإسلام.. ثم يكون هذا ألاّ دين عقيدة أصلها سماوي ولكنها محرفة أو عقيدة أصلها وثني باقية على وثنيتها أو إلحادا ينكر الأديان تختلف فيما بينها كلها ولكنها تختلف كلها مع الإسلام. ولا حلف بينها وبين الإسلام ولا ولاء…

والمسلم يتعامل مع أهل الكتاب هؤلاء، وهو مُطالب بإحسان معاملتهم كما سبق ما لم يؤذوه في الدّين ويباح له أن يتزوج المحصنات منهن ولكن هذا ليس معناه الولاء والتناصر في الدّين وليس اعترافا للمسلم بأن دين أهل الكتاب بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو دين يقبله الله، ويستطيع الإسلام أن يقف معه في جبهة واحدة لمقاومة الإلحاد.

إن الإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب كما جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء، ودعاهم إلى الإسلام جميعا لأن هذا هو الدين الذي لا يقبل الله غيره من الناس جميعا. ولما فهم اليهود أنهم غير مدعوين إلى الإسلام وكبر عليهم أن يدعوا إليه جابههم القرآن الكريم بأن الله يدعوهم إلى الإسلام فإن تولوا عنه فهم كافرون.

إن هذه القضية في الإسلام إذا قضية اعتقادية إيمانية كما أنها قضية تنظيمية حركية. كيف يمكن أن يتعاون المسلم الذي يسعى بكليته لإقامة منهج الله في الحياة، مع من لا يؤمن بالإسلام دينا ومنهجا ونظاما وشريعة ومن يتجه في سعيه إلى أهداف أخرى إن لم تكن معادية للإسلام وأهدافه فهي على الأقل ليست أهداف الإسلام، إذ الإسلام لا يعترف بهدف ولا عمل لا يقوم على أساس العقيدة مهما بدا في ذاته صالحا ﴿مثلُ الذين كفروا بربّهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الرياح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد﴾ (إبراهيم/18) والإسلام يكلف المسلم أن يخلص سعيه كله للإسلام، ولا يتصور إمكان انفصال أية جزئية في السعي اليومي في حياة المسلم عن الإسلام.

لا يتصور إمكان هذا إلا من يعرف طبيعة الإسلام وطبيعة المنهج الإسلامي. ولا يتصور أن هناك جوانب في الحياة خارجة عن هذا المنهج يمكن التعاون فيها مع من يعادى الإسلام، أو لا يرضى من المسلم إلا أن يترك إسلامه، كما نص الله في كتابه على ما يطلبه اليهود والنصارى من المسلم ليرضوا عنه. إن هناك استحالة اعتقادية كما أن هناك استحالة عملية على السواء.

كيف يتولى المؤمن بالإسلام من أشرب في قلبه بغض الإسلام وأهله ومن جعل عداوته للإسلام عقيدة وسلوكا في حياته؟ كما ينص على ذلك ما جاء في سفر حازوحار: “يا أبناء إسرائيل اعلموا أننا لا نفي محمدا حقه من العقوبة التي يستحقها حتى ولو سلقناه في قدر طافح بالأقذار وألقينا عظامه النخرة إلى الكلاب المسعورة لتعود كما كانت نفايات الكلاب، لأنه أهاننا. وأرغم خيرة أبنائنا وأنصارنا على اعتناق بدعته الكاذبة، وقضى على أعز آمالنا في الوجود. ولذا يجب عليكم أن تلعنوه في صلواتكم المباركة أيام السبت وليكن مقره في جهنم وبئس المصير”.[1]

إن دين الله واحد جاءت به الرسل جميعا وتعاقدت عليه الرسل جميعا وعهد الله واحد أخذه على كل رسول. والإيمان بالدين الجديد واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالحنيفية السمحاء، ونصرة منهجه على كل منهج هو الوفاء بهذا العهد فمن تولى عن الإسلام كما فعلت اليهود والنصارى ومن هم على شاكلتهم فقد تولى عن دين الله كله وانحرف عن سواء السبيل. والإسلام الذي يتحقق في إقامة منهج الله في الأرض واتباعه والخلوص له هو ناموس هذا الوجود، وهو دين كل حي في هذا الوجود. وما سواه وثنية وإن جاءت على صورة توحيد العبودية، وإباحية وإن تظاهرت بأنواع الورع والعفاف.. فهو تبتل في ظاهره وإلحاد في محتواه…

__________________________

[1]– من سفر حازوحار الذي طبع بالفرنسية عام 1907 الجزء الثاني-الصحيفة/88.