بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
هزة أُحُد أسفرت على انتصار عظيم
سيظل ذخرا للمسلمين في كل جيل
سبب غزوة أحد أن بقية من زعماء قريش ممن لم يقتلوا في غزوة بدر، اجتمع رأيهم على الثأر لقتلاهم في بدر، وأن يستعينوا بعير أبي سفيان وما فيها من أموال لتجهيز جيش قوي لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاجتمعت كلمة قريش على ذلك، وانضم إليهم غيرهم ممن يسمون بالأحابيش، واستعانوا بعدد كبير من النسوة كي يمنعن الرجال من الفرار إذا أحدق بهم المسلمون. وخرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل. وسمع رسول صلى الله عليه وسلم بالخبر فاستشار أصحابه وخيرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم والبقاء في المدنية، فان دخلوا عليهم فيها قاتلوهم. فكان رأي بعض شيوخ من المسلمين عدم الخروج من المدينة. وكان عبد الله بن أبي بن سلول من أصحاب هذا الرأي، غير أن كثيرا من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال في بدر رغبوا في الخروج. وقالوا: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا.. ولم يزل أصحاب هذا الرأي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا، فدخل بيته فلبس درعـه وأخذ سلاحـه وظن الذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على مالا يريد، فندموا على ما كان منهم. ولما خرج عليهم قالوا: استكرهناك يا رسول الله، ولم يكن لنا ذلك. فإن شئت فاقعد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمتـه (أي درعه) أن يضعها حتى يقاتل ».
ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ألف من أصحابه وذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة النبوية المباركة. حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش وعامتهم من شيعته وأصحابه، وكر راجعا بهم وهو يقول: ” عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له وما ندرى علام نقتل أنفسنا “؟ وتبعهم عبد الله بن حرام يناشدهم الله أن لا يخذلوا نبيهم، فلم يستجيبوا لندائه وقال زعيمهم: ﴿لو نعلم قتالا لاتبعناكم ﴾(آل عمران/166). وروى البخاري رضي الله عنه أن المسلمين اختلفوا في أمر هؤلاء الذين انخزلوا عن المسلمين. ففرقة منهم تقول نقاتلهم، وأخرى تقول: دعوهم. فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾(النساء/88).
واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تستنصر بأهل الشرك على أهل الشـرك » وعسكـر النبي صلى الله عليه وسلـم وأصحابه وهم لا يزيدون على سبعمائة مقاتل- في الشعب من أحد، فجعل ظهور المسلمين إلى أحد واستقبلوا المدينة وجعل على الجبل خلف المسلمين خمسين راميا وأمر عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم قائلا: « قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا » .
وألح كل من رافع بن خديج وسمرة بن جندب أن يشتركا مع البني صلى الله عليه وسلم في القتال وهما ابنا خمس عشرة سنة، فردهما النبي صلى الله عليه وسلم لصغر سنهما ثم أجازهما حين عرف أنهما من أمهر الرماة. وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بسيف فقـال: «من يأخذ هذا السيف بحقه ؟» فأقبل أبو دُجانة قائلا: أنا آخذه بحقه. فأعطاه إياه. فأخرج أبو دُجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه ( وكان ذلك شأنه عندما كان يريد أن يقاتل حتى الموت ) ثم راح يتبختر بين الصفوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنها المشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن » ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لمصعب بن عمير رضي الله عنه وكان الذي يقود ميمنة المشركين خالد بن الوليد وميسرتهم عكرمة بن أبي جهل. فاقتتل الناس وحميت الحرب وراح المسلمون يحسون المشركين في اندفاع مذهل، وكان في مقدمة البارزين والمقاتلين أبو دُجانة، وحمزة بن عبد المطلب، ومصعب ين عمير.
وقتل مصعب بن عمير دون الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ اللواء علي بن أبي طالب وما هو إلا أن أنزل الله نصره على المسلمين فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ونسائهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون. فتكلم الرماة الذين كانوا يرابطون على الجبل في النزول، واختلفوا فيما بينهم، فنزل كثير منهم ظنا منهم أن الحرب قد وضعت أوزرها، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم، وثبت رئيسهم عبد الله بن جبير مع عدد يسير قائلا: لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله. فكر راجعا بالخيل وتبعه عكرمة فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وأميرهم وأخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف.
وحينئذ انكشف المسلمون وداخلهم الرعب وأخذ المسلمون يقاتلون على غير شعار أو هدى وأوجع المشركون في المسلمين قتلا ذريعا حتى خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بالحجارة حتى رمى لشقة وأصيبت رباعيته (السن المجاورة للناب) وشج في وجهه، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول: « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم »؟ وجاءت ابنته البتول فاطمة الزهراء رضي الله عنها وعن صحابة رسول الله أجمعين، تغسل عنه الدم وزوجها علي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك.
وأثناء ذلك شاع في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. وكانت هذه الشائعة من أشد ما أدخل الرعب في قلوب بعض المسلمين وهي التي جعلت ضعاف الإيمان يقولون: ” فما مقامنا هنا إذا كان قد قتل الرسول؟ ” وذهبوا يولون الأدبار وهي التي جعلت أنس بن النضر رضوان الله عليه يقول: بل ما فائدة حياتكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أشار إلى المنافقين وإلى ضعـاف الإيمان قائلا: ” اللهم إني أبرأ إليك مما يقول هؤلاء، وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء” وانطلق فشد بسيفه على المشركين حتى قتل شهيدا. هذا الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من الذين لو أقسموا على الله لأبرهم، وتجلى في هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية والفداء ممن كانوا حول رسول الله من الصحابة فراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل معظمهم.
ثم إن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين وقد زهوا بالنصر الذي أحرزوه وفزع الناس لقتلاهم وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول صلـى الله عليه وسلم والملقب بأسـد الله، واليمان وأنس بن النضر ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم رضوان الله عليهم. وقد تأثر النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل عمه تأثرا كبيرا، وقد مثل به فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه. وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول: « أيهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهم قدمه في اللحد وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة». وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا.
وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين، وراح عبد الله بن أبي سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين: ” لو أطعتمونا ما قتل منكم من قتل “. وأخذوا يتساءلون عن النصر الذي كانوا يتوهمونه مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقا على إرجاف اليهود والمنافقين وبيانا لحكمة ما حصل في غزوة أحد. وهي ابتداء بقوله تعالى: ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إلى قوله تعالى: الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا، قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾.(120-167) سورة آل عمران.
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد مساء السبت، فبات تلك الليلة في المدينة هو وأصحابه، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الأحد أمر بلالا أن ينادى أن رسول الله يأمركم ” بطلب العدو، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ” ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل. فدفعه إلى علي رضي الله عنه. وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون، ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد (مكان من المدينة على بعد عشرة أميال) فأوقد المسلمون هناك نيرانا عظيمة، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها ومرَّ بهم معبد بن معبد الخزاعي وكان يومئذ من مشركي خزاعة) ثم تجاوزهم فمر على المشركين ولهم زجل ومرح وزهو بالنصر الذي لا قوه في أحد، وهم يأتمـرون بالـرجوع إلى المدينة للقضـاء على المسلمين، وصفوان بن أمية ينهاهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ فقال ويحكم أن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرى مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أرى مثله قط فأدخل الله بذلك رعبا عظيما في قلوب المشركين، وهبوا مسرعين عائدين إلى مكة. وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد: الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة المنورة مظفرا.
تبرز لأول وهلة من هذه الغزوة المباركة حكمة بليغة تعلم المسلمين كيفية البلوغ إلى النصر في معاركهم مع العدو وكيفية التحرز من مزالق الفشل والهزيمة التي يسلطها الشيطان على أوليائه. فالمؤمنون على يقين من ربهم أنه ناصر لأوليائه ولو بعد حين، ولو بعد هزيمة في معركة ولكنهم على يقين أنهم منصورون قال تعالى: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وأن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾( آل عمران /160) وقال أيضا : ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ ( محمد /7) فهذه هي الحقيقة الكلية المطلقة في هذا الوجود حيث لا قوة إلا قوة الله ولا قدرة إلا قدرته، ولا مشيئة إلا مشيئته. وعنها تصدر الأشياء والأحداث.. ولكن هذه الحقيقة الكلية المطلقة لا تعفي المسلمين من اتباع المنهج وطاعة التوجيه، والنهوض بالتكاليف، وبذل الجهد والتوكل بعد هذا كله على الله ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾( آل عمران /122).
إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر ويكون سببا فيه. وهذا صحيح، ولكن تأخير ذكره في الآية الكريمة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت، معنى التثبيت على النصر وتكاليفه. فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الحق والضلال. فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون. وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء. ولكن القليـل هو الذي يثبت على النصـر والنعماء.
وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر. ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن والعلم لله جل علاه.. فلو أن المسلمين عرفوا لنعمة الاستقلال قـدرا وشكـروا الله عليها عقيـدة وسلوكا وذكروه في أحوالهم كثيرا لما أصبحوا الآن ذيلا وراء أعداءهم، يستهزئون بدينهم وهم ينظرون، يقولون ولا يفعلون، يجتمعون ثم يتفرقون، لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة إلا إذا جاءتهم يهودية أو نصرانية فتراهم يرقصون لها طربا ووجدا… سكارى وما هم بسكارى ولا حول ولا قوة إلا بالله..
يتجلى هنا أيضا المبدأ الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ به نفسه وهو التزام التشاور مع أصحابه في كل أمر يحتمل المشاورة والبحث. ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجده في المشاورة التي تمت قبيل غزوة بدر الكبرى. فقد لاحظنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين اقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة بعد إن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال، على الرغم من أنهم ندموا وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك، وربما كان النبي صلى الله عليه وسلم يميل أو يظهر الميل عند التشاور إلى البقاء في المدينة.
ولعل الحكمة الجلية في هذا أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال وبعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم في قومه وأصحابه لابسا دروعه آخذاً سلاحه، شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصا في القضايا الحربية التي تحتاج مع المشورة إلى قدر كبير من الحزم والعزم. ثم أن المعنى الذي قد يتولد عن تقاعسه صلى الله عليه وسلم من الخروج بعد أن طلع عليهم متعمدا لذلك، إنما هو الضعف والاضطراب في الإرادة وهو كثيرا ما يكون نابعا من الخوف والحذر اللذين لا معنى لهما. ولذلك أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم على كلامهم بعبارة فيها كل الحزم والعزم دون أن يلتفت إلى لفظ القـوم وتعاتبهم فيما بينهم، قال عليه الصلاة والسلام: «ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل».
للمنافقين في هذه الغزوة مشهد بارز. ولم لا يكون مشهدهم بارزا فيها. وهي إنما انطوت على حكم وقواعد من أهمها تمحيص المؤمنين عن أخلاطهم من المنافقين؟ وأن من وراء ذلك القواعد كبيرة للمسلمين كانت ذخرا لهم فيما بعد.
لقد رأينا كيف انـخزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش من أنصاره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسبب الحقيقي هو أنه لا يريد قتالا لأنه لا يريد أن يعرض نفسه لمخاوفه ومغباته. وتلك هي أبرز سمات المنافقين. يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم، ويتعدوا عما فيه من مغارم وأتعاب وإنما الذي يمسكهم على الإسلام أحد شيئين: غنيمة يتوقعونها أو مصائب ومحن يتوقونها.
ثم أننا نجد في النصوص القرآنية استنكارا لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين، وتعجبا من اتخاذهم هذا الموقف، وشدة وحسما في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك. وكل ذلك يشي بخطر إلى تصور التميع في الصف المسلم حينذاك- وفي كل موقف مماثل – التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين، لأن فيها تميعا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين. ذلك أن قول جماعة من المؤمنين: ” سبحان الله أو كما قالوا أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ ” وتصورهم للأمر على هذا النحو، من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين: ” إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس “.. وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم: “يظاهرون عدوكم”.. تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الايمان في ظروف تستند على الوضوح الكامل، والحسم القاطع. فإن كلمة تقال باللسان، مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين لا تكون إلا نفاقا. ولا موضع هنا للتسامح أو للإعفاء، لأنه تمييع للتصور ذاته. وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين.
لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعين بغير المسلمين في هذه الغزوة على الرغم من قلة عدد المسلمين. وقال فيما روى ابن سعد في طبقاته: « لا تستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ». وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل تبعه في يوم بدر ليقاتل معه: «أتؤمن بالله»؟ قال : لا. قال: ” فارجع فلن أستعين بالكفار في القتال“. وفصل الإمام الشافعي في ذلك فقال رضي الله عنه: ” إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز وإلا فلا “. اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه في حنين وقد استعار منه أحمالا من الدروع والأسلحة.
أما الاستعانة بأهل الكتاب فقد روى من ذى مخبر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: “«ستصالحون الروم صلحا تغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم»( رواء أحمد وأبو داود ) وفي هذا دليل على الاستعانة بهم في القتال على عدو مشترك كدحض الشيوعية والإلحاد مثلا لا على فئة أخرى من المسلمين ولو كانت باغية لأن القرآن قد أمر الجماعة المسلمة العادلة أن تقاتل الباغية حتى تفيء إلى أمر الله.. فلم يأمر المشركين ولا أهل الكتاب بذلك. ثم كيف تطمئن النفوس المسلمة إلى صدق كافر ولو من أهل الكتاب يدعي الأمانة والنصـح للمسلمين؟… لأنه لو كان صادقا في زعمه لأعلن إسلامه وسلك طريق إخوانه في الدفاع عن الحق وأهله.. وكيف يدافع عن الحق ويكره أن يدخل في أحبابه وأنصاره؟ اللهم إلا إذا جعله الله آلة ينصر بها دينه الحنيف مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر» فإنه جلّ وعلا لا يسأل عما يفعل.
إذا تأملت حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينظم صفوف أصحابه ويرتب أجنحتهم، ويضع الحامية اللازمة في مؤخرة المسلمين، ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه صلى الله عليه وسلم، اتضحت حقيقة بارزة ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى.
أما الحقيقة البارزة فهي البراعة العسكرية التي كانت تتصف بها قيادته صلى الله عليه وسلم في الحروب. فقد كان في مقدمة المخططين لفنون القتال وطرائقه. ولاريب أن الله تعالى قد جهزه بعبقرية نادرة في هذا المجال. ولكننا لا ننسى أن هذه العبقرية وهذه البراعة إنما يأتي كل منهما من وراء نبوته ورسالته السماوية. فمركز النبوة والرسالة هو الذي يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم عبقريا بارعا في فنون الحرب وغيرها، كما اقتضاه أن يكون معصوما بعيدا عن كل انحراف وزلل.
وأما الظاهرة التي تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة وللرماة خاصة فهي ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره صلى الله عليه وسلم. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشف بفرسة النبوة أو بوحي من الله تعالى هذا الذي قد حدث فيما بعد، فراح يؤكد التوصيات والأوامر، وكأنه في ذلك يجرى مع أصحابه الكرام مناورة حية مع عدو لهم هو النفس وأهواؤها وما تنطوي عليه من طمع في المال والغنائم. والمناورة مهما كانت نتيجتها تفيد فائدة عظيمة. وربما كانت النتيجة السلبية أدعى للاستفادة من النتيجة الايجابية.
إذا تأملنا مدة الحرب التي استمرت بين المسلمين وأعدائهم في هذه الغزوة وجدناها تنقسم إلى شطرين:
– الشطر الأول وفيه التزم المسلمون أماكنهم وأوامرهم التي كانوا قد تلقوها من قائدهم صلى الله عليه وسلم. فما الذي كان من ثمرة ذلك؟ لقد سارع النصر إلى المسلمين وسارعت الهزيمة إلى صفوف المشركين. وما هو إلا أن اكتسح الرعب أفئدة الآلاف الثلاثة فانحسروا عن أماكنهم وأخذوا يولون الأدبار. وهذا الشطر هو الذي علقت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾(آل عمران/58). وكان ذلك في مطالع المعركة، حيث بدأ المسلمون يحسون المشركين، أي يخمدون حسهم، أو يستأصلون شأفتهم قبل أن يلهيهم الطمع في الغنيمة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لهم: « لكم النصر ما صبرتم » فصدقهم الله وعده على لسان نبيه الكريم.
– الشطر الثاني فيه أخذ المسلمون ينطلقون خلف المشركين ليجهزوا على من يدركونه منهم وليأخذوا الغنائم والأسلاب. فرغب بعض الرماة أن يشتركوا مع إخوانهم في الغنيمة وذهلوا لحظة عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيلت إليهم هذه الفرصة أن الفترة الزمنية للأوامر التي تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بمغادرة أماكنهم وهو اجتهاد لا يثاب عليه في الحقيقة لأنه اجتهاد مع وجود أمر صريح من النبي الكريم إذ قال لهم كما روى ابن سعد في طبقاته: « قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتموننا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتموننا نقتل فلا تنصرونا» .وكيف يكون هذا الاجتهاد مأجورا وقد أدى إلى أن غزا الرعب قلوب المسلمين بعد أن داهم أفئدة المشركين زمنا وانقلب إلى استبسال جديد.
لقد عادت خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين بالوبال عليهم جميعا بحيث لم ينج حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نتائجها. وتلك هي سنة الله في الكون لم يمنعها من الاستمرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود في ذلك الجيش وأنه أحب الخلق إلى ربه جل جلاله. قال تعالى مشيرا إلى هذه النتائج السلبية: ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ﴾( آل عمران/153). وهو تقرير لحال الرماة وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهى الأمر إلى العصيان. بعدما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه فكانوا فريقين: فريقا يريد غنيمة الدنيا وفريقا يريد ثواب الآخرة. وتوزعت القلوب فلم يعد الصف واحدةً ولم يعد الهدف واحدا. وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة، فمعركة العقيدة ليست ككل معركة. إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير، ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير. إنها معركة لله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له. وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها، فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها، كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية.
ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك لحكمة يعلمها الله جل عُلاه، أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد فلا يمنحهم الله النصر أبدا، حتى يبتليهم فيتمحَّصوا ويتمحَّضوا.. وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة وهذا ما أراد الله سبحانه، أن يعلِّمه للجماعة المسلمة وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليمة تمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح.
والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ” ما كنت أرى أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أُحد: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة “(رواه ابن كثير وابن مردويه في تفسيرهما)، وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها، ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها.
فتأمل أنت في نسبة خطيئة أولئك الأفراد إلى أخطاء المسلمين المتنوعة اليوم، والمتعلقة بشتى نواحي حياتنا العامة والخاصة، تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيديهم، وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع في كلمة واحدة على ذلك. وإذا تأملت في هذا، علمت الجواب على سؤال بعضهم اليوم عن الحكمة من أن الشعوب الإسلامية تظل مغلوبة على أمرها، أمام الدول الباغية الأخرى على الرغم من أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمون. ألم يقل الله جل علاه: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾ (النساء/141) بلى ولكن حين يقرر القرآن الكريم هذه الحقيقة فإنما يشير إلى أن الروح المؤمنة هي التي تنتصر والفكرة المؤمنة هي التي تسود. وإنما يدعو الجماعة المسلمة إلى استكمال حقيقة الإيمان في قلوبها تصورا وشعورا وفي حياتها واقعا وعملا. وألا يكون اعتمادها كلها على عنوانها. فالنصر ليس للعنوانات إنما هو للحقيقة التي وراءها. وليس بيننا وبين النصر في أي زمان وفي أي مكان إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك.. ومن حقيقة الإيمان أن نأخذ العدّة ونستكمل القوة، وألا نركن إلى الأعداء وألا نطلب العزة إلا من الله. ووعد الله هذا الأكيد يتفق تماما مع حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر في هذا الكون. غير أنه يجب أن نفرق دائما بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان..
إن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابتة ثبوت النواميس الكونية، ذات أثر في النفس وفيما يصدر عنها من الحركة والعمل، وهي حقيقة ضخمة هائلة كفيلة حين تواجه حقيقة الكفر المنعزلة المبتوتة المحدودة أن تقهرها قال تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾( الأنبياء / 18) ولكن حين يتحول الإيمان إلى مظهر فإن “حقيقة” الكفر تغلبه إذا هي صدقت مع طبيعتها وعملت في مجالها، لأن “حقيقة ” أي شيء أقوى من “مظهر” أي شيء ولو كانت هي “حقيقة” الكفر وكان هو “مظهر” الإيمان.
لقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوذي كثيرا في هذه الفترة. فوقع لشقه وشجّ رأسه وكسرت رباعيته وساح دمه الشريف غزيرا في وجهه. وكل ذلك جزء من نتائج تلك الخطيئة.. خطيئة أولئك المسلمين في الخروج على أوامر القائد. ولكن ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفوف المسلمين؟ والجواب والله أعلم أن ارتباط المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوده فيما بينهم كان له من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده. فكان أمر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لا يخطر لهم في بال، وكأنهم كانوا يسقطون حساب ذلك من أذهانهم، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقية، لصدع الخبر افئدتهم ولزعزع كيانهم الإيماني بل لقوضه في نفوس كثير منهم. فكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة، تجربة درسية بين تلك الدروس العسكرية العظيمة كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختفى مما بينهم.
ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية الكريمة تعليقا على ما أصاب كثيرا من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك إذ يقول جل علاه في سورة آل عمران(الآية/144): ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾.
ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس يوم أن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم فعلا بالرفيق الأعلى. فقد كانت شائعة أُحُد هذه مع ما نزل بسببها من القرآن هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة. فودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلوبهم الحزينة ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله.
فهذه إشاعة يهودية ضد المسلمين تهدف إلى إلقاء الخوف والهلع والرعب في قلوبهم وإيصالهم إلى مرحلة من اليأس والقنوط، ﴿و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين﴾(سورة آل عمران/53). وقد وعى المسلمون الأوائل حديث القرآن من اليهود وعرفوهم بفضل عرض القرآن لهم وتعريفه بهم وتحليله لشخصياتهم على حقيقتهم، وانكشف لهم نفسياتهم ومكرهم ومؤامراتهم.
وأقبل العلماء على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدوا فيها الكثير واستفادوا منها الكثير، وتعرفوا على هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع اليهود في المدينة وعلى محاولاته المستمرة عليه الصلاة والسلام هدايتهم وإرشادهم وتهذيب أخلاقهم ونفوسهم، ورفضهم لهذا العلاج النبوي الشافي، ومقابلته بالحقد والمكر واللؤم والتآمر والإفساد، ولذلك استعمل معهم عليه الصلاة والسلام آخر العلاج. – وآخر العلاج الكي- فقاتلهم وهزمهم، وقتلهم واستأصل وجودهم، وأخرجهم من بلاد العرب، وسار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقته في التعامل مع اليهود، فلم يقبلوا منهم إلا الإسلام أو الجزية، وكانوا حذرين منهم وحذروا الناس منهم وأشاروا إلى إفسادهم وخطورتهم .
ومازال اليهود يشنون على المسلمين حربا نفسية تجعلنا نعتقد أن مواجهة اليهود والانتصار عليهم من المستحيل وأن علينا أن نقبل التعامل معهم باعتبارهم دولة قوية لا تقهر وأن نقبل احتلالهم لفلسطين كلها ولكل قطعة من الأراضي التي تحتلها فيما بعد.. ويريدون منا أن ندخل معهم في مفاوضات سلمية والاعتراف الكامل بهم… ويوحون للأمة أن هذا الموقف هو عين الحكمة والمنطق والحنكة والعقلانية وبعد النظر.
هذه هي الحروب النفسية التي يشنها اليهود ضد المسلمين ليحصلوا منهم على الإقرار بهـم والاعتراف بدولتهـم والتنازل عـن الأرض والشعب والحق وهم بذلك يريدون أن يقضوا على كل معاني الصمود والثبات عند الأمة وأن يحطموا نفسياتها ومقاومتها، أن يوصلوا الهزيمة إلى نفوسها وعقولها وقلوبها. إنهم يفعلون ذلك لأنهم يعلمون أن الهزيمة العسكرية في الميدان ليست نهاية المعركة ولا ينتج عنها استسلام الخصم وإقراره بشرعية انتصار عدوه.
إن اليهود يعلمون أن الأمة المسلمة لن تعترف بهم ولا بشريعة احتلالهم لفلسطين طالما أن الهزيمة لم تصل إلى الصميم ولم تتغلغل في القلب والعقل والنفس والشعور، وأن هذه الأمة ستبقى تعمل على الإعداد والاستعداد والجهاد حتى تسترد البلاد وتقضي على الفساد. إنهم يعلمون أيضا أن الأمة الإسلامية لن تستسلم لهم إلا إذا حطمت إرادة القتال في بنيها، وذلك بالقضاء على الإيمان وحياته في القلوب، وزرع اليأس في النفوس، وتحويلها من نفوس أبية تعشق الجهاد وترغب في الاستشهاد وتشتاق لمواجهة الأعداء وحربهم، إلى نفوس ذليلة خاضعة مستكينة، ترى أنه لا أمل من الجهاد ولا فائدة من الحرب والإعداد، وتجعل فيها مسالمة اليهود والتعايش معهم وتسليمهم البلاد مكان يغض هؤلاء اليهود وقتالهم وتحرير البلاد منهم.
إن اليهود يريدون أن يقدموا للأمة بأن قوة اليهود وانتصارهم ستبقى إلى الأبد، وأن ضعف المسلمين وهزيمتهم أمام اليهود كذلك لا يمكن أن يتغير وأن كل كلام غير هذا الكلام إنما هو نوع من الخيال والضلال. ويستخدم اليهود مختلف الوسائل والأساليب لغرس هذه الادعاءات والأغاليط في قلوب وعقول ونفوس أبناء الأمة، حتى تكون عندهم حقائق بديهية يقينية لا تقبل النقض أو الرد. فمن وسائلهم في هذه الحرب الخطيرة الصحف والمجلات والإذاعات والمراسلون الصحفيون ووكالات الأنباء والأفلام والمسلسلات والتمثيليات والمسرحيات والمواقف والتصريحات والكلمات والدول والمسؤولون والمتنفذون، ويساهم الكثير في توصيل هذه الوسائل إلى أفراد الأمة، ويخدم الكثير في العالم هذا الهدف اليهودي الخطير، وترسم للأمة الإسلامية خطة شيطانية ماكرة ينتج عنها إيصال الناس إلى هذا الهدف اليهودي. والعجيب أن هذه الخطة تنفذ بدقة عجيبة: تكون الأحداث في الأمة موجهة مفتعلة مقصودة لإقرار هذه الخطة والنتيجة، يورطون الأمة في مشكلات ونكبات وأزمات سياسية وعسكرية واقتصادية وعلمية وحضارية وتتورط هذه الأمة في هذه الأمور في مواجهتها مع اليهود، وتخرج من كل ذلك بالفشل والهزيمة والضلال، ويضيفون إلى رصيدها من اليأس والإحباط والفشل.
وقد نجح اليهود في هذه الحروب النفسية، وفي إيصال قطاعات كبيرة من المسؤولين والمتنفذين في الأمة، ومن الموجهين والمخططين والمنفذين، ومن ذوي الحكم والسلطان وذوي الفكر والرأي، إلى التسليم بهذه الأغلوطة اليهودية: وهي أن اليهود وجدت دولتهم لتبقى، وأنها دولة لا تقهر إلى الأبد وأن التفكير في هزيمتها وتحرير فلسطين كلها ضرب من الجنون والانتحار وأن هزيمة المسلمين أمام اليهود لا تتغير ولا تتخلف وأنها ضربة لازب نافذ دائم.
واقتنع هؤلاء الأغرار المخدوعون من بعض رؤساء المسلمين وملوكهم بأن الحل إنما هو في الاعتراف باليهود وإقرارهم على احتلال فلسطين الحبيبة والتعايش مع أرذل خلق الله، وتحولوا من دعاة جهاد وحشد وقتال ومن مجندين لطاقات الأمة ضد أعدائها اليهود إلى دعاة الحل السلمي مع اليهود والتعايش معهم ولو على حساب مقدسات الأمة الإسلامية المجيدة وكرامة أبنائها. ولكن بقي والحمد لله في الأمة المسلمة قلبها النابض ونفسها وعقلها الفطن وبصيرتها النافذة، إنهم المسلمون صدقا والمؤمنون حقا، الصادقون قولا وحالا، إنهم جنود الله وأصحاب القرآن فهم ينظرون إلى الواقع اليهودي بمنظار القرآن ويتعاملون مع الدولة اليهودية على هدى القرآن ويزِنون اليهود بميزان القرآن.. وينظرون لمستقبل اليهود في فلسطين من خلال وعود القرآن ويخرجون من كل هذا بحقائق بديهية يقينية ومعالم هادية قرآنية بارزة.
إن القرآن يخبرنا بأن اليهود قد ضربت عليهم ذلة الأبد ومسكنة الأبد وأن ما يعيشونه الآن في فلسطين ما هو إلا فترة قصيرة يتحكمون فيها ثم يعودون إلى الذلة الدائمة والمسكنة المستمرة. ونستنبط من هذا أن تمكين اليهود الآن إنما هو بحبل من الله وحبل من الناس، وإنما هو لفترة قصيرة ثم تنقطع هذه الحبال التي تمدهم بالتمكين والحياة. إن الوجود اليهودي في فلسطين وجود هش وإن كيانهم في فلسطين كيان زائل وأنهم سيخرجون من فلسطين مذؤومين مدحورين كما أخرج اللعين من النعيم المقيم. وستعود فلسطين إلى الإسلام والمسلمين.
وما أحوج المسلمين المعاصرين أينما كانوا أن يتعرفوا على الخطر اليهودي الماحق وأن يكتشفوا النفسية اليهودية الخبيثة المعقدة، وأن يواجهوا الغزو الفكري الزائـف الذي ابتلاهم الله به، ودلهم على مصادر كشفه وأسباب مواجهته.
ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من محبة الصحابة الكرام الذين كانوا يوم أحد حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم، يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبالون بغير ذلك. إنه الإيمان بالله ومحبة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام فهما معا سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة. والمسلم يحتاج إليهما معا. لا يكفيه أن يدعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الله ورسوله أيضا ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح متفق عليه: « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين». يومئذ يصبحون خلقا آخر جديدا ويستنزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم مهما كانت العقبات والسدود.
وإذا سألت عن السبيـل إلى مثل هذه المحبة فاعلم أنها في كثرة الذكر وكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كثرة التأمـل والتفكر في آلاء الله ونعمه عليك وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم العطرة وأخلاقه وشمائله الكاملة وهذا كله بعد الاستقامة في السلوك والأحوال وفي الأقوال والأفعال مع مراقبة الكبير المتعال.
وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة المنورة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين، اتضح لنا درس معركة أحد اتضاحا كاملا، وتبين لنا كل من نتيجتيها السلبية والإيجابية. وظهر لنا بما لا يدع مجالا للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد.
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكد يؤذن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدو حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجراح والآلام، ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه وانطلقوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر، ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو غرض دنيوي. وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل الله وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية وقروحهم المؤلمة. لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين؛ ليتمموا نصرهم والتغلب على خصومهم، ولا وقع الهزيمة وآلام الجروح الكثيفة في المسلمين، حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم.
لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين: وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد أن محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه قد جاءوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينـثروه فيما بينهم، فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة، وانطلقوا سراعا إلى مكة لا يلوون على شيء.
وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أُحد نزل قوله تعالى: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ﴾(آل عمران/172-174 ).
وينظر الإنسان في هذه الصورة وفي هذا الموقف فيحس كأن كيان الجماعة كلّه قد تبدل ما بين يوم وليلة، نضجت وتناسقت وخلصت من تلك الأرجحة والقلقلة التي حدثت بالأمس فقط في التصورات والصفوف. فما كانت سوى ليلة واحدة هي التي تفرق بين موقف الجماعة اليوم وموقفها بالأمس. والفارق هائل والمسافة بعيدة. لقد فعلت التجربة المريرة فعلها في النفوس وقد هزتها الحادثة هزا عنيفا، أطار الغبش، وأيقظ القلوب وثبت الأقدام وملأ النفوس بالعزم والتصميم… نعم وكان فضل الله عظيما في الابتلاء المرير!! ومتى تأتينا هذه الليلة؟؟ تأتينا لا محالة، إذا رجعنا إلى نهج القرآن والسنة، فيومئذ يتحقق وعد الله لنا ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ﴾(الروم/4-5).