Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الزكاة وآثارها في تهذيب النفوس وترقية المجتمعات

الزكاة وآثارها في تهذيب النفوس وترقية المجتمعات

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

الزكــاة مرتكز النظام المالي الإسلامي

واعلم أن مرتكز نظام المال في الاسلام هو الزكاة، فهي بمثابة العمود الفقري فيه، إذ أن نظام المال في الاسلام يقوم على أساس الاعتراف بالله بأنه المالك الأصيل وبالتالي الاعتراف بأن له وحده الحق في تنظيم قضية التملك والحقوق فيه ومآله. والزكاة هي التعبير العملي عن هذا كلّه إذ أنها أهم الحقوق التي جعلها الله في الملك، وليست كلّها كما يفهم بعض الناس. فقد ورد في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إن في المال حقاً سوى الزكاة”. ولذلك كانت رمز الاستسلام لله سبحانه في قضايا المال كلّها، يقول عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه الطبراني: “والصدقة برهان”. ومن دراستها يفهم الانسان الكثير من مواقف الاسلام من قضية رأس المال.

ومن هذه المواقف يدرك أن كنز المال وتجميده ليس وضعا صحيحا للمال، بل تشغيله هو الوضع الصحيح والزكاة هي التنظيم العملي لهذا. إذ أن صاحب رأس المال عندما يعطله عن العمل مع دفعه زكاته يتنازل عن جزء منه كل عام مما يؤدي إلى تقلص المال بالنهاية. فمثلا لو كان إنسان يملك الملايين ولا يشغلها فهو سيدفع سنويا 2.5 % زكاة ففي خلال سنوات ستزول هذه الملايين كلها ما عدا النصاب وإذن فصاحب رأس المال مضطر لتشغيله وتنميته إذا أراد المحافظة على رأس ماله، حتى تكون الزكاة على حساب الربح لا على حساب رأس المال نفسه، وعلى هذا فنظام الزكاة يجعل رأس المال في حالة حركة دائمة بشكل عفوي. ومن هنا نفهم معنى الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾(التوبة /34). فلا كنز ما دام الانفاق في سبيل الله موجودا وأقله الزكاة. وفي الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أخرجه الحاكم والذهبي والدارقطني والبيهقي وأبو داود: “ما أديت زكاته فليس بكنز” إذ لا تجتمع الكنزية والزكاة. ومن هنا نفهم كذلك خطأ الذين فهموا أن الاسلام يحرم على الانسان أن يدخر أمواله ولو أدى زكاتها، أخذا من الآية الكريمة.. والفهم الصحيح ما ذكرناه.

ومن هذه المواقف أن رأس المال ليس من حقه الربح لأنه رأس مال مجرد، بل للآخرين فيه حق لمجرد أنه رأس مال ولا يستحق رأس المال الربح بعد هذا إلا في مقابل استعداده لتحمل الخسارة. فمثلا في شركة المضاربة، إنما يستحق صاحب رأس المال الربح في مقابل تحمله الخسارة كلها في حالة الخسران، وكذلك في كل حالة يعمل فيها رأس المال، أما رأس المال المجرد فإنه يستحق النقصان بالزكاة ولا يستحق الربح بدون مقابل.

وهذا فارق دقيق كبير بين النظرة الرأسمالية والشيوعية من جهة وبين النظرة الاسلامية الى قضية رأس المال، فالنظرة الرأسمالية ترى أن رأس المال يستحق الربح دائما وبلا مقابل. ومن هنا أجازوا الربا وأمثاله مما يكون فيه رأس المال رابحا في كل حالة، ولم يفرضوا على رأس المال أي ضريبة، وإنما تكون الضرائب على أرباح رأس المال. والنظرة الشيوعية تعتبر رأس المال مستغلا في كل حالة وأنه يمتص أرباح العمال.. وقد عبر عن هذا كارل ماركس بنظرية فضل القيمة التي هي أن العامل عندما يشتغل عند رب العمل يقدم إنتاجا قيمته أكثر مما يعطيه رب العمل من أجر، هذا الفائض من الربح يذهب إلى يد صاحب رأس المال مستغلا جهود مئات البشر بواسطة ماله.

إن الاسلام بواسطة أنظمته كلها وبواسطة الزكاة قد جعل المسألة في وضع لا يمكن أن يكون هنا أعدل منه وذلك في قواعد ثلاثة:

– المال يربح في مقابل تحمل الخسارة.

– وصاحب رأس المال يربح في مقابل إدارته وتحمله الخسارة.

– وعلى صاحب رأس المال أن يدفع سنويا لا من الأرباح وحدها بل من الأرباح ورأس المال هذه النسبة المأوية الثابتة لأصناف من البشر معينين.

وعلى هذا فقد أصبح فضل القيمة الذي تصوره ماركس لا يعود إلى جيب الرأسمالي منه إلا مقدار ضئيل يستحقه، والبقية ترجع إلى أصناف من المجتمع تستحقها لتحقيق التضامن الاجتماعي الذي يجب أن يشارك فيه كل إنسان قادر، هذا مع ملاحظة أن العامل عند رب العمل ينبغي أن يأخذ حقّه كاملا كما سنرى إن شاء الله عند البحث عن السياسة المالية في الإسلام.

لقد انطلق الشيوعيون في الحياة الاقتصادية كلها من خلال نظرية “فضل القيمة” فبنوا عليها أنه لتحقيق العدل ومنع صاحب رأس المال من الاستغلال فإن على الدولة أن تؤمم وسائل الانتاج ولكن وجود الدولة أصلا لا يتفق مع فكرة أن من لا يعمل فهو مستغل وبالتالي فإنه ليس من حقه أن يأكل. فقرروا أن الدولة مرحلة للوصول إلى الشيوعية، حيث تلغى الدولة ويصبح الناس سواسية كلهم يعملون، وكل يعمل حسب طاقته وكل يأخذ على قدر حاجته، واعتبروا أن هذه هي الصورة المثلى للعدل، ولو أنك تأملت هذا كله لوجدته هراء، فأي عاقل في العالم يستطيع أن يتصور عالما بلا حكومة؟ كيف ترتب المبادلات العالمية؟ وكيف تقام المؤسسات الضخمة ومن يضمن عدالة القوي؟  ثم هم يقولون إن الشيوعية الأولى انتهت.. أليس في ذلك على أن الشيوعية ستفشل وتحوي في طياتها عوامل خرابها؟ بلى وقد تلاشت وفي الميدان والضمير وانهدم صرحها على يد أبنائها ومن العجب أن أولئك الذين كانوا يدعون الشعوب إليها بالنار والحديد أصبحوا أولياء للذين كانوا يحاربونهم بالأمس القريب لأنهم كانوا يستغلون على زعمهم جهود المستضعفين: كيان باطل بني على تناقض!!

إن فضل القيمة الذي تحدث عنه ماركس انتقل من جيب الرأسمالي إلى جيب أعضاء الحزب وخزينة الدولة في النظام الاشتراكي، ولم يستفد منه العامل والفلاح شيئا والاشتراكيون يمنون هؤلاء بعالم لا يمكن أن يولد أصلا، عالم السعادة الكاملة، وحتى لو ولد هذا العالم فإنه سيولد معه الظلم والاستغلال لأنه لا يراعي أبسط دعائم الفطرة التي فطر الله الناس عليها… أجل ﴿لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾(الروم /30).

ومن جهة أخرى نرى أن مسألة الزكاة مسألة اجتماعية توافق مبادئ الاشتراكيين والاقتصاديين والعمرانيين من كل وجه لأنها تجمع نظرياتهم كلها، وذلك أنهم أجمعوا كلهم أن المال المتداول في الأيدي هو مال الأمة بأسرها وإنما اختلفوا في كيفية الاستفادة من هذا المال، فقال الاشتراكيون يجب أخذه من أيدي الناس واعطاء كل عامل قدر ما يحتاجه منه. وقال الاقتصاديون في ذلك هدم لرؤوس الأموال وهي سبب الأعمال الجسيمة والمشروعات الضخمة فلابد من وجود أفراد ذوي رأس مال ضخم جدا للإقدام على إحداث جلائل الأعمال. وقال العمرانيون إن وجود أغنياء وفقراء في الهيئة الاجتماعية أمر لابد منه لحفظ عوامل الارتقاء والمسابقة وإلا بطلت الهمم ونامت العزائم، وتراجع النوع الانساني من المدنية إلى الوراء. فجاء الاسلام قبل أن تنشأ هذه الفرق كلها فوفق بينها. فقال للاقتصاديين أنا أحفظ لكم رؤوس الأموال، وقال للعمرانيين أترك لكم وجود طبقات الأغنياء والفقراء وقال للاشتراكيين إنكم تقولون إن المال مال الأمة كلّه ولا حق لأحد دون أحد فيه، نعم الأمر كذلك ولذلك قررت أن يكون أصحاب الأموال بمنزلة المقترضين لتلك الأموال لضرورة ذلك لإحداث جلائل الأعمال ولكن أوجبت عليهم في مقابلة ذلك أن يدفعوا للفقراء أجر هذا المال حقا خالصا لهم فيصلحون بهذه الأجرة من شأنهم ويرقون من أمورهم ويعيشون مع سائر إخوانهم بسلام.

لقد حاول بعض الناس أن يصوروا هذه الزكاة بأنها ضريبة كبقية الضرائب التي تفرضها الدولة وحاول بعض الناس أن يصوروها بأنها صدقة طوعية لا علاقة للدولة بها وكلتا النظريتين خاطئة خطأ جسيما لأننا إذا اعتبرنا ضريبة الدولة العادية هي ما تأخذه في مقابل خدماتها وتحقيقها للمشاريع اللازمة للأمة. فإن الزكاة تختلف من هذا بأنها حق أصناف معينين من الناس في المال. وليست حق الدولة ولو كانت هي المسؤولة عن وصول هذه الحقوق المالية إلى أصحابها.

وقد اعتبر القرآن الكريم أن من الواجبات الأساسية للدولة أن تقوم بهذه المهمة فقال في سورة الحج (41): ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.

وقد وضع الاسلام بيد الدولة سلطة واسعة في موضوع جباية الزكاة فأعطاها حق محاربة  المانعين للزكاة إذا كانوا فئة قوية، كما أعطاها حق مصادرة جزء من مال مانع الزكاة إذا كان فردا عقوبة له لما رواه أحمد والنسائى وأبو داود والحاكم والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم أجمعين قال: سمعت رسول  الله صلى الله عليه وسلم يقول: “في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا (طالبا الأجر) فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لآل محمد منها شيء”.

 (4الأنواع التي تجب فيها الزكاة شرعا خمسة

إن مقادير الزكاة وتحديداتها عرفت بالسنة النبوية لا بنص القران الكريم فمن السنة النبوية عرفنا أن الأنواع التي تجب فيها الزكاة شرعا خمسة: الذهب والفضة، البضائع التجارية المحصولات الزراعية وثمار الأشجار والكروم، السوائم من الإبل والبقر والغنم والمعادن والكنوز. وما عدا هذه الأنواع الخمسة من الأموال لا تجب فيها الزكاة. فلا زكاة في الدور المعدة للسكن، ولا في الثياب الخاصة ولا في أثاث المنزل ولا في دواب الركوب ولا في السيارات المعدة للاستعمال الشخصي ولا في الأسلحة والتحف وأدوات الزينة والحلي والجواهر الكريمة، ولا في آلات الصناعة والزراعة وكتب العلم. أما إذا اتخذ شيء من ذلك للتجارة فإنه تجب عندئذ الزكاة فيه. والمعادن النفيسة غير الذهب والفضة قد درج الفقهاء على اعتبارها لا زكاة فيها ولكن الحق هو أن يطبق على هذه المعادن حكم الذهب والفضة في وجوب الزكاة عليها فإذا بلغت قيمتها نصابا ذهبيا أو فضيا أخرجت زكاتها.

* وأما شروط الزكاة التي يجب أن تتوفر في كل نوع من هذه الأنواع فهي أربعة:

– أن يكون المال مملوكا ملكا تاما، والمراد بتمام الملكية أن يكون المال بيد صاحبه وأن لا يتعلق به حق لغيره، وأن يكون له حرية التصرف فيه باختياره، وأن تكون ثمرته له. وعلى هذا الشرط فالمال الموقوف لا تجب فيه الزكاة، وكذلك الديون التي في ذمم المدينين والتي لا يرجى سدادها. وكذلك المال الذي ليس لمالكه حرية التصرف فيه باختيار كالمال المرهون والموضوع تحت يد حارس، والقائم بشأنه نزاع.

– أن يبلغ هذا المال النصاب أي المقدار الذي حدده الشرع لكل نوع من أنواع هذه الأموال وعلى هذا الشرط فالمال القليل الذي لا يبلغ مقدار النصاب لا زكاة فيه لأن الزكاة تجب في الزائد عن حاجة المالك لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو أي الفائض عما يحتاجون.

– أن تمضي سنة قمرية (354 يوم) على هذا النصاب وهو مملوك لصاحبه ملكا تاما وعلى هذا الشرط إذا زالت ملكية المالك عن ماله بعد نصف سنة أو أكثر فلا تجب عليه الزكاة فيه. ومرور سنة شرط لوجوب الزكاة، فيما عدا الحاصلات الزراعية، وما يعثر عليه في باطن الأرض من معادن وكنوز، فتجب الزكاة فيهما عند ظهورهما.

– أن يكون المال زائد عن حاجات مالكه الضرورية وعن ديونه وعلى هذا الشرط فالمال المملوك للإنسان ولكنه على قدر نفقة مالكه ونفقة من يعولهم أو مستغرق بديون عليه لا تجب الزكاة فيه.

والزكاة تؤخذ كل عام، مرة واحدة لأن نماءها لا يتحقق إلا بمرور العام، وهذا الحكم بالنسبة للأموال المنقولة. أما زكاة الزرع فيتكرر الأخذ كلما انتجت الأرض وأعطت خيراتها. وتؤخذ الزكاة من مال الصبي والمجنون والسفيه إذا بلغ مالهم النصاب، ويدفعها الولي أو الوصي على الأموال، ولا فرق في الزكاة بين ذكر وأنثى وبين سجين وطليق. والزكاة لا تتبع ميزانية الدولة بل يجب أن تكون لها إدارة منفصلة، والدولة إذا كانت متسعة الأرجاء فإنها تترك الأمر لحكومات المقاطعات تنظم كل مقاطعة طريق الجمع وطريق التوزيع.

أ) زكاة الذهب والفضة

تفرض الزكاة في الذهب والفضة سواء أكانا مسكوكين نقودا أم تبرا أم سبائك إذا مرت عليهما سنة قمرية. ومقدار الزكاة ربع العشر (2.5%) تؤخذ ممن يملك نصابا من الذهب والفضة وهو عشرون دينارا ذهبية أو مائتا درهم فضية. والتقدير بالذهب هو الرائج المعمول به معيارا للثروات بين الأمم في هذا العصر وزنة العشرين دينارا بالموازين العشرية هو 93.40 غرام توصل إليها شيخ الاسلام العلامة المرحوم الطاهر بن عاشور وحقّق ذلك في بحث نشر له عام 1935م ثم أعيد نشره في مجلة الهداية بعد الاستقلال. وهذا المقدار موافق لزنة الدينار الذهبي الجزائري أثناء العهد العثماني وقيام الدولة الجزائرية كما حقّقه المؤرخ الجزائري الدكتور العربي زبيري إذ أخبر أن زنة الدينار الواحد كانت تساوي 4.67غ فتكون زنة النصاب تساوى 20 دينارا في 4.67 يعني 93.40 غ وذلك هو المطلوب. وحسب قيمة الدينار الذهبي في أسواق العملة يقدر النصاب النقدي كل عام وتخرج منه الزكاة بقدر 2.5% كما تقدم.

والنقود التي تكون من غير الذهب والفضة كالعملة المتخذة من النكل وغيره تجب الزكاة فيها إذا بلغت نصاب الذهب. والأوراق المالية بأنواعها وأسهم الشركات تجب الزكاة فيها على أساس قيمتها. هذه أحكام النقود بكل أنواعها مادامت في حوزة صاحبها ويستوي في ذلك أن تكون في المصارف المالية مودعة فيها أمانة أو كانت رصيدا تجاريا أو أموالا مدخرة أو صكوك تأمين.

ب) زكاة عروض التجارة

والزكاة واجبة في عروض التجارة. والوجوب ليس على أعيان العروض وإنما على قيمتها، لذلك كان نصابها نصاب الذهب. وليس الشرط أن تمر السنة على السلعة، بل على القيمة وإن تداولت القيمة آلاف السلع. والمعتبر أن تكون البضائع التجارية بالغة النصاب في أول السنة وفي آخرها ولا عبرة بنقصها أو زيادتها في وسطها. وتشمل عروض التجارة الحيوان الذي يقتنى للاستيلاد (تكاثر النسل) ويرعى بالمجان وكل ما كان للاتجار من مختلف البضائع. والزكاة تؤخذ من رأس المال مع الأرباح وتقوم عروض التجارة بحسب الزمن الحاضر.

ج) زكاة المحصولات الزراعية

وزكاة الزروع العشر (1/10) إذا سقيت بدون آلات ونصف العشر إذا سقيت بآلات ويد عاملة.. وإذا اختلف السقي كان الحكم للأغلب وإن تساويا كان الواجب إخراج نصف العشر. ويشترط فيما يخرج من الأرض أن يكون مما يدخر وييبس ويستنبته بنو آدم سواء أكان مقتاتا كالقمح والشعير أو غير مقتات. فلا زكاة إذن في الخضروات كما ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأحمد خلافا لأبي حنيفة الذي يرى وجوب الزكاة في كل ما تنبت الأرض إطلاقا. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن لا زكاة في شيء من الزروع الثمار حتى يبلغ نصابها خمسة أوسق بعد تصفيتها من التبن والقشر (أي ما يعادل ستة قنطار) مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث رواه أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة”. والوسق ستون صاعا بالإجماع. ووقت إخراج الزكاة عن هذه المنتوجات الزراعية يوم حصادها. قال تعالى في سورة الأنعام ﴿وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفـوا إنـه لا يحب المسرفين﴾(141). وألحق فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة (من علماء الأزهر الشريف) زكاة الدور المعدة للاستغلال بزكاة الزرع فقال في كتابه: “لواء الاسلام” والمعروف عن جمهور الفقهاء أنهم لم يقرروا زكاة في الدور، لأن الدور في عصورهم لم تكن مستغلة بل كانت لسد الحاجات الأصلية. وكان ذلك عدلا اجتماعيا في عهد الاستنباط الفقهي. أما في عصرنا الحاضر فقد استبحر العمران وشيدت العمائر والقصور للاستغلال وصارت تدرّ أضعاف ما تدرّه الأرضون فكان من المصلحة أن تؤخذ منها زكاة كالأراضي الزراعية إذ لا فرق بين مالك تجبي إليه غلاّت عمارته كل شهر ومالك تجبى إليه غلاّت أرض زراعية كل عام. فلو أوجبنا الزكاة في الأراضي الزراعية ورفعناها عن المستغلاّت العقارية لكان ذلك ظلما “.

وعليه، فكل ما يحصل من غلاّت العمائر المعدة للسكن أو نحوها تجب فيها الزكاة وإذا انقطعت الغلاّت أمدا انقطعت الزكاة في ذلك الأمد. وتتبع الزكاة في الأدوار التي تحصل بها غلاّت تلك العقارات وما يشبهها. فإذا كانت الغلاّت تحصل كل شهر وجبت كل شهر، وإن كانت تحصل كل عام وجبت كل عام ويؤخذ نصف العشر من الغلاّت ويقيس فضيلة الأستاذ أبو زهرة نفس القياس على الآلات الصناعية التي تكون في المصانع والتي تفيض بها الغلاّت وليست أدوات شخصية للعامل يستخدمها لسد حاجاته فتجب فيهما الزكاة من ثمراتها وتحتسب غلات تلك المصانع كل عام ويؤدي عليها نصف العشر كما قدّره الأستاذ.

د) زكاة السوائم من الإبل والبقر والغنم

المراد بالسوائم تلك التي ترعى أكثر السنة في المراعي العامة المباحة، ولا يتكلف ملاكها مؤنة علفها. أما التي يغذيها ملاكها بأموالهم فلا تجب فيها الزكاة. فالإسلام لا يجمع على مالك الأنعام بين مؤنة علفها وفريضة الزكاة فيها. ولكل نوع من أنواع هذه السوائم نصاب مقدر لا تفرض الزكاة فيما دونه ويشترط لإيجاب الزكاة فيها بلوغ النصاب ومرور الحول وأن تكون سائمة كما قلنا. ويرى مالك أن الزكاة فيها واجبة سواء أكانت سائمة أو معلوفة، عاملة أو غير عاملة خلافا لما ذهب إليه الجمهور.

فأول نصاب الإبل خمس وفيها شاة وهكذا في كل خمس شاة فإذا بلغ خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي التي بلغت سنة ودخلت الثانية، وفي ست وثلاثين بنت لبون وهي التي أتمت سنتين ودخلت الثالثة وفي ست وأربعين حقّة وهي التي أتمت ثلاث سنين ودخلت الرابعة وفي إحدى وستين جذعة وهي التي أتمت أربع سنين ودخلت الخامسة وفي ست وسبعين بنتا لبون إلى آخر تلك التفصيلات التي يعرفها الفقهاء والفلاحون بيسر.

وفي زكاة البقر يلاحظ التفرقة بين تبيعها ومسنها، فتبيعها هو الذي أوفى سنة من العمر فهو يتبع أمه، ومسنها هو الذي أوفى سنتين. ففي كل ثلاثين جاموسا تبيع وفي كل ثلاثين بقرة تبيعة، وفي كل أربعين مسن إلى ستين ففيها ضعف ما في الثلاثين وهكذا… وزكاة الغنم تشمل الضأن والماعز ففي كل أربعين من هذه شاة وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي المائتين وواحدة ثلاث شياه وفي الأربعمائة أربع شياه وما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة.

وليس فيما عدا هذه الأصناف الثلاثة من المواشي زكاة ولو كانت سائمة. فلا زكاة في الخيل والبغال والحمير ولعل الحكمة في هذا أن الإبل والبقر والغنم هي التي لها نماء بالدر والنسل فتكون الزكاة من نمائها لأنها تقصد للدر والنسل. وإنما ذكر الفقهاء أن لا زكاة في الخيل والبغال والحمير لأنها تتخذ للحاجة: فالفرس للجهاد والبغال والحمير للنقل وحمل الأثقال.. أما إذا اتخذت للاستغلال وكان له نسل ونماء فعندئذ تجب فيها الزكاة.

ه) زكاة المعادن والكنوز

ما هو ما يكون في بطن الأرض من معادن كالبترول يكون ملكا لبيت مال المسلمين كما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله. وفيه أيضا يقول الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس وما كان في أرض السلم ففيه الزكاة وهو ربع العشر وقد تكون حجته في ذلك قوله تعالى في سورة الأنفال (41): ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل اعتبارا والله أعلم أن الركاز في دار الحرب غنيمة تخمس كما تخمس الغنائم العادية عندما ينتصر المسلمون على الكفار…

وعلى وجه العموم أنه ما يسمى بالمعدن والركاز وهما مال وجد تحت الأرض سواء كان مما ركّزه الله في الأرض لم يضعه أحد من البشر أو كان كنزا تركه بعض الناس. أما الكنوز الجاهلية التي ثبت أنها وضعت في باطن الأرض قبل الاسلام فيؤخذ منها الخمس. والأخماس الأربعة الباقية للواحد. والكنوز الاسلامية هي التي ثبت أنها وضعت في باطن الأرض بعد ظهور الاسلام وتكون ملكا للدولة إلا إذا عرف ملاكها فإنها تكون لهم. وإنما تكون تلك الكنوز للدولة لأنها ضوائع، والضوائع تكون لبيت المال الخاص بها، ومثلها كمثل المال الذي يؤول إلى بيت المال إذا مات صاحبه ولم يعرف له وارث. فإنه يكون لبيت مال المسلمين الخاص بالضوائع ويصرف في مصارف الزكاة. أما ما يكون في البحار من عنبر ولؤلؤ وأسماك فيؤخذ منها الخمس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-شاهد الفيديوهات في موضوع الزكاة على اليوتيوب:
– شرح الحديث الثاني من الأربعين النووية، من الفيديو رقم: 80 إلى 83.
– سماع صحيح البخاري باب الزكاة، من الفيديو رقم: 44 إلى 48.