Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الزكاة وآثارها في تهذيب النفوس وترقية المجتمعات

الزكاة وآثارها في تهذيب النفوس وترقية المجتمعات

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

مصاريف الزكاة الثمانية

وقد وردت في القرآن أسماء الأصناف الثمانية. قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ (60). والمفروض أن يعطى أولا جباة الزكاة أجورهم وهم الذين سمتهم الآية العاملين عليها ثم يقسم الباقي قسمة سباعية متساوية. والمذكرورن في هذه المصارف كلهم معروفون إلا المؤلفة قلوبهم فهم الذين كانوا في صدر الاسلام يتظاهرون باعتناق الدين الاسلامي من المتنفذين والأقوياء. وقد اقتضت مرانة الاسلام استرضاءهم وتأليف قلوبهم النافرة برفع سهم من الصدقة إليهم ترغيبا لهم في اعتناق الدعوة المباركة. إلا أن هذا السهم قد ألغي بعز الاسلام وظهوره. فقد رأى الفاروق رضي الله عنه أن يحذف حصة المؤلفة قلوبهم اجتهادا شخصيا منه وافقه عليه معظم علماء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

أما من هم “في الرقاب” فالعبيد الذين تعاقدوا مع ساداتهم على تحرير رقابهم في سبيل الله لقاء مقدار من المال. فالدولة تتحمل عن أولئك العبيد شيئا من واردات الزكاة لتحريرهم من نير العبودية، لأن الاسلام كان يهدف منذ البداية إلى إلغاء الرق إلغاء تاما ولكن مع اتباع أسلوب التدريج الحكيم.

“والغارمون” هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم وهم ثلاثة أقسام:

– قسم يستدين في سفاهة وإسراف.. فلا يعطى الزكاة إلا إذا تاب وصار من أهل التقوى والصلاح.

– قسم استدان لصالح نفسه كتاجر لزمته ديونه في تجارته وهو يحسن تدبيرها.. ولكن اضطرب الميزان الاقتصادي وأحاط الدين بماله ولم يف ما عنده من المال بدينه. فما بقي من ديون بعد ذلك عليه يسدد من الزكاة حماية له من الافلاس ونتائج أخرى وخيمة.

– قسم ركبه الدين في مصلحة عامة لا لمصلحة نفسه، كمن تحمل ديات للصلح بين الناس. فقد قال الفقهاء أنه يسدد عنه دينه ولو كان غنيا يبقى له بعد سداد الدين من ماله نصاب وذلك تشجيعا على المروءة والصلح بين الناس. وإذا مات مدين وليس في تركته ما يفي بدينه يؤدى باقي دينه من مال الزكاة.

والجدير بالذكر أن الاسلام يجعل الديون العادلة تؤدى من بيت مال الزكاة وبهذا سبق الشرائع الانسانية كلها سبقا بعيدا وخصوصا الشرائع التي عاصرت نشأته، وحسبك أن تعلم أن القانون الروماني (المسمى بقانون الألواح الاثني عشر) في بعض أدواره كان يسوغ للدائن أن يسترق المدين.

أما الاسلام فقد جعل دين المعسر تؤديه الدولة عنه وفي ذلك تشجيع للناس على المروءة والقرض الحسن لأن صاحب المال إن علم أن ماله لن يضيع أبدا أقرض القرض الحسن ويصح بالقياس على ذلك أن يقرض من مال الزكاة القرض الحسن لأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدى بها فأولى أن تعطى منها القروض الخالية من الربا لترد إلى بيت المال.

وتعطى الزكاة “لابن السبيل” وهو المسافر المنقطع الذى لا يجد مالا يوصله إلى وطنه وتعطى في “سبيل الله” يعني في كل وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد إلخ.. ويشمل في “سبيل الله” الصرف على الغزاة والمرابطين لحماية الثغور. فينفق من الزكاة على الجيش وكل ما يتصل به مادام الجيش يجاهد في سبيل الله.. ويشمل أيضا إعداد دعاة الاسلام والانفاق عليهم لإظهار جمال الاسلام وسماحته وتبليغ أحكامه والرد على خصوصه والانفاق على الكتب التي تتولى هذه المهمة…  ويجوز إعطاء الزكاة للمؤسسات الخيرية كالمستوصفات الخيرية والمياتم والمدارس الخيرية وغيرها من المؤسسات التي يعود نفعها على الطبقة الفقيرة…

 الزكاة فريضة ذات دلالات شتى في عالم الضمير وعالم الواقع على السواء

فهي فريضة ذات دلالات شتى في عالم الضمير وعالم الواقع على السواء. فأين هذا الشعور في أغنياء أمتنا اليوم؟ سلهم بربك هل أدركوا سر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس منا من بات شبعان وجاره جائع”؟ إخوانهم هنا وهناك جائعين مشردين وأموالهم مودعة عند أعداء الإنسانية. فأصبحوا بأموالهم فقراء لاحول لهم ولا قوة تابعين لشياطين الغرب لا متبوعين.. يتبعون الصهيونية في خطتها حتى ولو على حساب مقدساتهم ومع ذلك يحجون ويلبون وكأن أبناء الأمة في أمن وأرغد عيش. فأين القبول مع اللعنة والخزي في الدارين؟؟ فهذا هو الجنون والتيه الذي أصاب الذين يكنزون الذهب والفضة من أبناء ملتنا ولا ينفقونها في سبيل سعادة أمتهم التي سوف تقف لهم بالمرصاد يوم يقوم الناس لرب العالمين أنهم أفقروها وجوعوها وأذلوها مقابل حطام زائل وسحت قاتل.. إنها لخطة أعدائهم التي يلخصها القرآن بقوله: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾(المنافقون/7) . وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان، في حرب العقيدة ومناهضة للأديان، ذلك أنهم لخسة مشاعرهم يحسبون لقمة العيش هي كـل شيء في الحياة كـما هـي فـي حسهـم، فيحاربون بها المؤمنين.

إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في “الشِعَبْ” لينفضوا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلموه للمشركين وهي خطة المنافقين كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه تحت وطأة الضيق والجوع وهي خطة الشيوعيين وخطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله بالحصار والتجويع ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق.

ومن خزائن الله في السماوات والأرض يرتزق هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين فليس هم الذين يخلقون رزق أنفسهم. فما أغباهم وأقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين. وهكذا يثبت الله المؤمنين ويقوي قلوبهم على مواجهة هذه الخطة اللئيمة والوسيلة الخسيسة التي يلجئ أعداء الله إليها في حربهم ويطمئنهم إلى أن خزائن الله في السماوات والأرض هي خزائن الأرزاق للجميع، والذي يعطي أعداءه لا ينسى أولياءه !!!

ألم يأن لأغنياء أمتنا المجيدة أن يقفوا صفا واحدا لمواجهة هذه الخطة الخسيسة. خطة تجويع المستضعفين من البشرية كافة ومن المؤمنين على الخصوص؟ نعم خطة لا يفكر فيها إلا أخس الأخساء وألأم اللؤماء. فتلك هي زكاة أموالهم ومقدساتهم لو كانوا يعقلون. ألم يتعظوا بما وقع لثعلبة؟؟ لقد عاهد الله لئن أنعم الله عليه ورزقه ليبذلن الصدقة وليصلحن العمل ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته. فلما أن استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده وتنكر لوعده، وأدركه الشح والبخل فقبض يده، وتولى معرضا عن الوفاء بما عاهد. فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سببا في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق ولقاء الله به. فأنزل الله فيه قرآنا يتلى، قال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به تولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾(التوبة:75/77). ألا ترى أنه لما سمع ثعلبة بهذا التهديد الرباني أسرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل منه صدقته، بعد أن جحد بها وقال ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك”. فجعل يحثو على رأسه التراب فقال له عليه الصلاة والسلام: ” هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني”. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئا ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه فلم يقبل منه شيئا ثم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى أن يأخذ منه شيئا اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ثم أتى عثمان بن عفان رضي الله عنه وسأله أن يقبلها منه فرفضها. فهلك ثعلبة في خلافة هذا الصحابي الجليل ذي النورين، ولم يؤد ما عليه…

وقد يتساءل إنسان بعد هذا ويقول: هل الزكاة قادرة على حل كل المشكلات الاقتصادية لمجتمع؟ فالزكاة ليست وحدها كل شيء في نظام المال في الاسلام بل هي ركن فيه. هذا الركن مع نظام المال في الاسلام يشكلان الحل الكامل لكل مشكلات الاقتصاد في المجتمع الاسلامي.

أما الزكاة فإنها بلا شك تحل أكثر مشاكل الأفراد المالية، إذا وجدت العقلية العملية التي تعرف كيف تطبق أحكام الاسلام على واقع الحياة إذ أن واردات الزكاة من الضخامة بحيث لا تقف أمامها مشكلة مع ملاحظة أن نظام الزكاة عندما يعالج مشكلة إنسان يحلها له جذريا على رأي بعض المجتهدين، بحيث يصبح هذا الإنسان دافع للزكاة بعد ذلك مما يؤكد بعدها أنه يأتي يوم من الأيام لا يبقى إنسان بحاجة إلى مال كما جرى واقعيا في التاريخ وعلى وجه الخصوص في عهد خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

إن قوام الحياة في النظام الاسلامي هو العمل بكل صنوفه وألوانه. وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه وأن تمكنه منه بالإعداد له وبتوفير وسائله، وبضمان الجزاء الأوفى عليه. وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة.

فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع، متى قام المجتمع على أساس الاسلام الصحيح، منفذا شريعة الله، لا يبتغي له شرعا ولا منهجا سواه. روى أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي”. ويفهم عن هذا النهي السوي أنه من أخذ الزكاة طمعا وهو غني عنها إنما يلقم في بطنه من السحت الحرام والعياذ بالله.  وفي حديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما آتيا النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال عليه الصلاة والسلام: “إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب”.

إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الاسلام. وهذا النظام أشمل وأوسع كثيرا من الزكاة لأنه يتمثل في عدّة خطوط تشمل فروع الحياة كلها ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط.

والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال وهي تجمع من كل من يملك النصاب، وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة. ثم تنفق في المصارف التي بيّنها القرآن، وأول مستحقيها الفقراء والمساكين… فالذين يؤدون الزكاة في عام قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم.. فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي وهي قبل هذا وذاك فريضة من الله تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها الله وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء.

هذه هي الزكاة التي يتقول عليها المتقولون في هذا الزمان، ويلمزونها بأنها نظام تسول وإحسان.. هذه هي، فريضة اجتماعية، تؤدى في صورة عبادة إسلامية. ذلك ليطهر الله بها القلوب من الشح وليجعلها وشيجة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة الاسلامية، تندي جو الحياة الانسانية وتمسح على جراح البشرية وتحقق في الوقت ذاته التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي في أوسع الحدود وتبقى لها صفة العبادة التي تربط بين القلب البشرى وخالقه كما تربط بينه وبين الناس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-شاهد الفيديوهات في موضوع الزكاة على اليوتيوب:
– شرح الحديث الثاني من الأربعين النووية، من الفيديو رقم: 80 إلى 83.
– سماع صحيح البخاري باب الزكاة، من الفيديو رقم: 44 إلى 48.