بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
مقدمة
ليس هناك من ديانة أو عقيدة أو فكر يستطيع أن يقدم للبشرية مثل ما قدم الإسلام لها ولقد قدم لها على الخصوص نظاما تربويا متكاملا وفريدا من نوعه وذلك لاستناده على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قال تعالى في أول سورة نزلت على سيدنا محمد رسول الله المبعوث رحمة للعالمين: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ﴾(العلق/5.1).
تبدأ هذه السورة الكريمة من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء (الذي خلق) ثم تخصص: خلق الإنسان ومبدئه: (خلق الإنسان من علق). من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة بالرحم. من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين. فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته. فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يُعلَّم فيتعلم:” اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم “.
وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم، تعليم الرب الإنسان بالقلم لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان، ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية, ولكن الله سبحانه وتعالى كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية, في أول سورة من سور القرآن الكريم: هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبا بالقلم, وما كان ليبرز هذه الحقيقـة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن، لولا أنه الوحي, ولولا أنها الرسالة. ثم تبرز مصدر التعليم، أن مصدره هو الله منه يستمد الإنسان كل ما علم وكل مـا يعلم وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود ومن أسرار هذه الحياة ومن أسرار نفسه فهو من هناك، من ذلك المصـدر الواحد الذي ليس هناك سـواه. فالله هو الذي خلـق وهو الذي علم فمنه البـدء والنشأة ومنه التعليم والمعرفة والإنسان يتعلم ما يتعلم ويعلم ما يعلم فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علم الإنسان ما لم يعلم.
المؤلف..
الغدو والرواح في طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله
الإسلام لم يكتف بالحديث على العلم بل جعل للعلم منزلته ولطالب العلم والعالم منزلتهما ففي فضل العلم يقـول جل ذكره: ﴿يرفع الله الذيـن أمنوا منكم والذين أوتــوا العلم درجات﴾( المجادلة/11) ويقول سبحانه: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾(البقرة /269) ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث أورده ابن عبد البر: ” أشد الناس حسرة يوم القيامة رجل أمكنه طلب العلم فلم يطلبه ورجـل علم علما فانتفع به من سمعه منه دونه”, ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجة:” أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علما ثم يعلمه أخاه المسلم ” أما في منزلة و فضل العالم فيقول المولى عز وجل في سورة سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿يثَبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ويقول سبحانه و تعالى: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عِندِ ربنا ﴾(أل عمران /7) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبـو داود والترمذي عن أبى الدرداء رضي الله عنه: ” أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء, فمن أكرمهم فقد أكرم الله ورسوله ” هؤلاء الذين يخشون الله تعالى وهؤلاء هم الذين يرجون تجارة لن تبور, إن العلماء هم الذين يتدبرون أسرار الكون الفسيح ويغوصون في آفاقه العجيبة ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية, يعرفونـه بآثار صنعتـه ويدركونه بآثـار قدرتـه ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه ومن ثم يخشونه حقا ويتقونه حقا ويعبدونه حقا لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمـام روعة الكون ولكن بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر, هؤلاء العلماء هم الذين يتلون الكتاب المنزل تلاوة تدبر تنتهي إلى إدراك وتأثر وإلى عمل بعد ذلك وسلوك. فهم يعرفون أن ما عند الله خير مما ينفقون ويتاجرون تجارة كاسبة مضمونة الربح، يعاملون فيها الله وحده وهي أربح معاملة ويتاجرون بها في الآخرة وهي أربح تجارة قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجـورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ﴾(فاطر/29-30) فإذا كان الحق جل جلاله يشكر هو لعباده حسن الأداء أفلا يشكرون له هم حسن العطاء؟!
أما في منزلة طالب العلم فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ابن عبد البر والحاكم وابن ماجه وعبد الله بن الإمام أحمد: ” العالم و المتعلم شريكان في الخير وسائر الناس لا خير فيهم “, ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام فيما أورده الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء :” الغدو والرواح في طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله “, وحين نتدبر العديد من الآيات البينات من القرآن الكريم نجدها تدعوا إلى التفكر في آيات الكون وإشغـال الفكر البشــري فيما يعـود على البشريـة بالنفـع والرفـاه وخير الدنيا والآخرة. وندرك أيضا حين نتدبر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة, أهداف التربية الإسلاميـة والتعليم والتي تتمثل في تهذيب الفرد وإعداده ليكون عضوا صالحا في مجتمع فاضل كما أنها تسعـى لتحقيق خير الإنسان في دنيـاه وآخرته, وتتمثل على مستوى المجتمع في بناء المجتمع الإسـلامي ونشر رسالة الإسلام الخالدة بين أمم المعمورة قاطبة. وعليه فإن تربية الفرد المسلم تشتمل على إعداده بَدنياً وعقليا وخُلقيا فالتربية البدنية والتربية العقلية والتربية الخلقية هي من مستلزمات المجتمع الإسلامي بشرط ألا تكون مضيعة للوقت والجهد أو العقل أو الخلق, ففي مجال التربية البدنية يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثا: رميه عن قومه وتأديبه لفرسـه وملاعبتـه أهله فإنهن من الـحق” (رواه الإمام أحمد), وفي مجال التربية العقلية يقول عليه أفضل الصـلاة والسلام في حديث أخرجه ابن ماجة: “رحم الله خلفائي، قالت الصحابة: ألسنا خلفاءك يا رسول الله؟ قال: “أنتم أصحابي، وإنما خلفائي الذين يأتـون بعدي ويتعلمـون سنتي ويعلمونها الناس”، وفي مجال التربية الخلقية يحث على مجالسة أهل الخير بقوله في حديث متفق عليه من رواية لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيّبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة”. تلك هي التربية المطلوبة من الفرد والمجتمع أن يلتزموا بها، هذه هي التربية وما عداها فهي تربية صهيونية يقصد بها أعداء الإسلام القضاء على العقيدة الحنيفية بشتى الأوهام والخرافات وتفشي الإباحية والآفات المعدية باسم حريتهم العقيمة.
يقول حكماء بني صهيون في بروتوكولهم الثـالث عشر ما نصه: ” ولكي نبعدها (يقصد الشعوب غير اليهودية) عن أن تكشف بأنفسها أي خط عمل جديد سنلهيها أيضا بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات للفراغ والمجامع العامة وهلم جرا وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريـات شتى في كل أنواع المشروعـات كالفـن والرياضة وما إليهما هذه المتع الجديدة ستلهي ذهن الشعب حتما عن المسائل التي سنختلف فيها معه وحالما يفقد الشعب تدريجيا نعمة التفكير المستقبل بنفسه سيهتف جميعا معنا لسبب واحد: هو أننا سنكون أعضاء المجتمع الوحيدين الذين يكونون أهلا لتقديم خطوط تفكير جديدة “.
لقد حدث تحقيق جزء كبير من هذا المخطط الرهيب الذي وضعه بنو صهيون للبشرية وهي للأسف الشديد، سائرة في تحقيق الباقية، أننا نرى ونسمع عن مسابقات الجمال وكمال الأجسام وسباق الكلاب والضفادع وجمال القطط وخاصة التظاهرات الفنية والرياضية التي حظيت بحصة الأسد عبر العالم كله بما فيه العالم الإسلامي والتي أدت إلى إهانة الباحثين وأهل العلم النافع وإكرام اللاعبين وأهل الفن الخليع. وإذا سألت عملاء الصهيونية عن تقليدهم لهذه الخطـة اللعينة، أجابوا بأن الله جميل ويحب الجمال، فهلا أنصفوا من أنفسهم وأدركوا أن التربية التي يجب أن تلتزم بها المجتمعات الإسلامية هي التربية التي تهدف إلى تحقيق رفاه الفرد والمجتمع على السواء وتقدمهما في هذه الحياة الدنيا، بجانب تحقيق الفوز بالجنة والنجاة من النار في الدار الآخرة.
إن التربية الإسلامية تحقق كما قال الدكتور نبيل السمالوطي النمو المتكامل المتوازن لشخصية الإنسان وتجمع بين الطابع الفردي والاجتماعي. فهي فكرية وسلوكية وعملية تنشئ الفرد على مراقبة الله عز وجل وتحافظ على فطرة الإنسان النقية وتعلـي غرائزه الفطرية. فهي تربية موجهة نحو الخير تربية مستمرة، عالمية منفتحة، تجمع بين المحافظة والتجديد. ولهذه التربية أساليب منهـا: القدوة الصالـحة والترغيب والترهيب والتوجيه والموعظة الحسنة والعقاب الفعلي وأسلوب القصـة وأسلوب التربية السلوكية باقتلاع العادات السيئة وتكوين العادات الصالحة واستخدام الأساليب الحسية وأسلوب النقـاش والحوار وأسلوب المحاولة والخطأ واستخدام الأحداث والظروف والمواقف في مجال التعليم وأسلوب توجيه طاقات الإنسان في مساراتها الصحيحة واستثمار أوقات الفراغ.
فهذه التربية بأسسها وأساليبهـا وقايـة للأسرة وللمجتمع وإليها يرشدنا القرآن الكريم بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمـرون﴾(التحريم /6) والرجـوع بنا نحن الذين نعيش في جاهليات عديدة، إلى هذه التربية الإسلامية توبة نصوح عن كل ما اقترفناه من إهمال في هذا المجال وتكفير عن الكبيرة التي جعلتنا نجهل أصول ديننا الحنيف وتاريخ حضارتنا ومواقف رجالها الأمـجاد وصرنا ننظر إلى واقعنا بمنظار الأعداء حيث نصدقهم في كل قول ونقلدهم في كل فعل ونفتح لهم أقفال القلوب فضلا عن أبواب البيوت الحصون. إن هذا الأمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام وأن يدركوه جيدا، فأول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت إلى الزوجة إلى الأم ثم إلى الأولاد وإلى الأهل بعامة ويجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولا عن الزوجة المسلمة وإلا فستأخر طويلا بناء الجماعة الإسلامية، وسيظل البنيان متخاذلا كثير الثغرات…
عن منهج الإسلام وطريقته في إصلاح الكبار والصغار…
من الخطأ الفادح أن يتوهم البعض أن النـاس يولدون أخيـارا أو أشرارا كما يولد الحمل (الخروف) وديعا والنمر مفترسا، وأنه لا يمكن تغيير الشر الكامن في الإنسان كما أنه لا يمكن تغيير الخير المتأصل فيه كما زعم بعض المفكرين الأجانب ومن هؤلاء “شوبنهار” الفيلسوف الألماني و”سبينوزا” الفيلسوف الهندي و”ليفي بريل” الفيلسوف الفرنسي… ولكن أكثر الفلاسفة الأخلاقيين في الشرق والغرب استدركوا الموقف واعتبروا هذا الرأي من شذوذ الأقاويل والآراء.
فهذه الدعوة الباطلة منقوضة شرعا وعقلا وتجربة: أما منقوضة شرعا فلقوله تعالى في سورة البلد (10): ﴿وهديناه النجديـن ﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه البخاري في صحيحه: ” كل مـولود يولد على الفطرة فأبـواه يهودانـه أو ينصرانه أو يمجسانه ” أما أنها منقوضة عقلا فلأن الله سبحانه وتعالى لما أنزل الكتب المقدسة وأرسل الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام… لأجل ماذا؟ أليس في سبيل إصلاح الإنسان وسعادته في دنياه وآخرته؟ ثم لماذا تهتم الحكومات في وضع المناهج والقوانين؟ ولماذا تشرف على تأسيس المدارس والمعاهد والجامعات؟ ولماذا تقوم على تعيين المعلمين والمختصين من علماء التربية والأخلاق والاجتماع؟ أليس ذلك لأجل التعليم والتأديب والتخليق وقمع الفاسد، وتأسيس الصالح وتقويم الاعوجاج؟
نستنتج من هذه التساؤلات والمحاكمات العقلية كما قال الأستاذ الفاضل عبد الله ناصح علوان في كتابه “تربية الأولاد” أن الإنسان خلق مستعدا للخير والشر جميعا، فإذا تيسرت له التربية الصالحة والبيئة الصالحة، نشأ على خير ما ينشأ من الإيمان الخالص والأخلاق الفاضلة، وحب الفضيلة والخير وكان في المجتمع إنسانا مؤمنا فاضلا كريما. أما أن هذه الدعوة منقوضة تجربة لما لوحظ في عالم الإنسان أنه كم من فاجر ظـالم أصبح على يد رفيق صـالح أو داعية مخلص، من كبار الأتقياء ومن أعلام الأبرار السعداء. كما لوحظ أيضا في عالم الحيوان أن الإنسان استطاع أن يهذب سلوك الوحوش ويرقصها ويأمرها بما شاء فتطيعه… فإذا كان هذا هو الشأن في غرائز العجماوات، فكيف بالغرائز الإنسانية التي أثبت علم النفس المقارن أنها أسلس قيادا وأعظم مرونة بسبب تعارضها وتنوعها وقبولها للمزج والتعديل والتقويم. ومما لوحظ كذلك في عالم النبات أن البذرة حين يرعاها الفلاح ويحميها من المؤذيات ويتعهدها بالماء والسماد… فإنها تؤتي أكلها بإذن ربها وينتفع بثمارها القاصي والداني… وأما إذا أهملها وتركها لأحوال الطبيعة تصبح عما قليل هشيما تذروه الرياح وتتقاذفه الأعاصير.
فكذلك النفس البشرية وما فيها من قابليات واستعدادات وسجايا وجبلات. حينما تتعهدها بالأخلاق الفاضلة وتمدها بماء العلوم والمعارف وتردفها بالعمل الصالح فإنها تنشأ على الخير وتدرج على الكمال ويكون صاحبها كالملك يمشي في الناس. أما إذا أهملها وتركها للأيام حتى علاها صدأ الجهل، وغشيتها عدوى خلطاء السوء، وتراكم عليها أنقاض العادات الذميمة، فإنها بلا ريب تنشأ على الشر والفساد، وتتقلب في مستنقع التحلل والإباحية ويكون صاحبها كالوحش الأعجم يمشي في الناس ويظن نفسه من الأناسي الكرام.
والذي نخلص إليه بعدما تقدم، أن دعوى الذين يقولون إن الطباع الإنسانية من شر أو خير لا يمكن تغييرها ولا تعديلها هي في الحقيقة دعوى باطلة ينقضها الشرع ويردها العقل وتكذبها التجربة والمشاهدة ويبطلها الجمهرة الغالبة من علماء النفس والتربية والأخلاق. وعن تأثير سلوك المربي في الولد يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في “الإحياء”: “والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك… وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق”. وذهب العلامة ابن خلدون رحمه الله في مقدمته مذهب الغزالي في قابلية الولد واستعداده وإمكانية إصلاحه بعد فساده… بل كثير من فلاسفة الغرب أو الشرق ذهب هذا المذهب وسلك ذلك الاتجاه.
فعلى المربي إذاً أن يميز في إصلاح الفرد وتقويم اعوجاجه بين عمرين وأن يفرق في تعويده وتأديبه بين سنين. فالكبار لهم منهجهم وطريقتهم، والصغار لهم كذلك منهجهم وطريقتهم.
- فمنهج الإسلام وطريقته في إصلاح الكبار (وهو سن ما بعد البلوغ) يعتمد على أمور أساسية ثلاثة وهي: الربط بالعقيدة وتعرية الشر وتغيير البيئة: أما الربط بالعقيدة فهو من أعظم الأسس في استمرار المؤمن على مراقبة الله تعالى. ولا شك أن العبادات بكليتها والأذكار والأوراد بجملتها وتلاوة القرآن وتدبره آناء الليل وأطراف النهار، واستشعار العظمة الإلهية في كل الظروف والأحوال، والإيقان بالموت وما بعده والإيمان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين فيه، والاعتقاد بعوالم الآخرة وأهوال يوم القيامة.. كل ذلك يوَلِّد في المؤمن استمرارية المراقبة لله عز وجل وتجعل منه الإنسان المستقيم المتوازن الذي يبني توازنه في الحياة على التوفيق بين مطالب الروح ومطالب الجسد. وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة وشعاره في كل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ” إن لله عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه “.
أما تعرية الشر فهو من أعظم السبل في إقناع الكبار على ترك المنكر والنفور من الفساد والآثام. وهذه التعرية للشر والانفضاح للباطل هي الطريقة التي اتبعها القرآن الكريم في إقناع الجاهلية بنبذ تقاليدها وعاداتها وهجر شرورها وآثامها… قال تعالى في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾(90-91). فما معنى أن القرآن أشرك الخمر بالميسر والأصنام ثم وصفها بأنها رجس ثم نبه أنها من عمل الشيطان ثم ذكر مضارها الخلقية بكونها توقع بين الناس العداوة والبغضاء، وأعقب ذلك مضارها الدينية بكونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟ فما معنى كل هذا؟ أليس معناه أن الخمر قد تعرت على حقيقتها وبان لأهل الحجى والعقول مساويها وخطرها؟ ألا ترى أنه بعد أن انفضحت الخمر على رؤوس الأشهاد قام الصحابة الكرام يهللون ويقولون انتهينا، فرحين بهذه البشارة الربانية…
وقس على ذلك تحريم القرآن الكريم لكل المعتقدات الجاهلية، والمفاسد الاجتماعية كالإشراك بالله والزنى والربا والميسر (القمار بكل أنواعه) وقتل النفس بغير حق ووأد البنات وأكل مال اليتيم وغيرها من الموبقات المهلكات. فإن القرآن الكريم لم يحرمها إلا بعد أن عراها على حقيقتها وذكر الكثير من مساويها، وأهاب بأصحاب العقول الراجحة أن ينفروا منها ويبتعدوا عنها لكونها تؤدي بالفرد والمجتمع إلى أسوأ النتائج وأقدح الأخطار… أما تغيير البيئة فهو لا يقل أهمية عن الأسس الأخرى في إصلاح الفرد وهدايته وتربيته وإعداده… وإلا فلماذا أذن الله سبحانه لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بالهجرة من مكة حيث كانت تعبد الأصنام من دون الله إلى المدينة المنورة؟ ولماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة أول الأمر إلى الحبشة في جوار الملك الصالح “النجاشي” رحمه الله ومن بعد إلى المدينة المنورة؟ أليس من أجل التكوين والإعداد في بيئة صالحة لا يباح في نواديها المنكر ولا تقترف في ربوعها الآثام والمحرمات؟ أليس من أجل إصلاح الفرد المسلم في مجتمع يحكمه الإسلام ويتنزل عليه القرآن؟ بلى والله!
فبالربط بالعقيدة يتولد عند الكبير الشعور بالمراقبة والخشية من الله في السر والعلن وهذا ما يحمله على التحلي بالفضائل… وبتعرية المنكر والشر يقتنع الكبير بترك المفاسد ويتعبد عن علم ودراية ويعزم على التخلي عن الرذائل… وأما بتغيير البيئة فيتهيأ لإصلاح الوسط الخير والجو الصالح وحياة الشرف والكرامة.
فما على المربين الاجتماعيين إلا أن يأخذوا بمنهج الإسلام في إصلاح الكبار إن أرادوا الخير لأمتهم قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ﴾(يوسف/108).
- أما منهج الإسلام في إصلاح الصغار فيعتمد على التلقين والتعويد، والمراد بذلك الجانب النظري والعملي في الإصلاح والتربية. فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر المربين أن يلقنوا أولادهم كلمة “لا إله إلا الله” لما روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهمـا عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: ” افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله “. وهذا هو الجانب النظري. أما الجانب العملي لهذا التلقين فهو تهيئة الولد وتعويده أن يؤمن بقرارة نفسه وأعماق وجدانه أنه لا خالق ولا مبدع ولا معبود بحق إلا الله ولا يكون ذلك إلا عن طريق آثار صنع الله في الطبيعة والأكوان فيصل المربي بالطفل إلى أن كل ما يراه من حوله صنعة أوجدها الله سبحانه وتعالى ولم توجد نفسها بنفسهـا.
فلا يمكن مثلا لألواح متفرقة أن تتحد على شكل سفينة وتسير في البحر بلا صانع يصنعها أو قائد يغوص بها في الأمواج.. كما أمر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام المربين أن يلقنوا أولادهم ركن الصلاة وهم في سن السابعة لما روى الحاكم وأبو داود عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع “. وهذا هو الجانب النظري. وأما الجانب العملي فهو تعليم الولد أحكامها وعدد ركعاتها وكيفيتها ثم تعويده إياها بالملاحقة والمثابرة وأدائها في المسجد جماعة حتى تصبح الصلاة في حقه خلقا وعادة.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا المربين أن يلقنوا أولادهم أحكام الحلال والحرام، لما أخرج ابن جرير وابن المنذر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” … ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فذلك وقاية لهم ولكم من النار”. أما الجانب العملي من هذا التلقين فهو ترويض الولد وتدريبه على امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه… فإذا رآه فعل منكرا حذره وبين له مساويه وإذا فعل خيرا أو صنع معروفا من صدقة أو تعاون رغبه فيه وشجعه عليه.
وأمر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم المربين كذلك أن يلقنوا أولادهم محبة نبيهم صلى الله عليه وسلم ومحبة آل بيته وأصحابه وتلاوة القرآن الكريم. لما روى الطبراني عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه أن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قال: ” أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة القرآن “. وأما الجانب العملي من هذه الوصية النبوية فهو أن يجمع المربي أولاده ويقرأ عليهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة آل بيته وأصحابه وشخصيات القادة والعظماء والصالحين في التاريخ… ويعلمهم تلاوة القرآن، حتى يتأسى الأولاد بسير الأولين بطولة وجهادا ويرتبطوا بالتاريخ الإسلامي شعورا ووجدانا ويرتبطوا بالقرآن الكريم دستورا ومنهجا.
ومن الأمور الهامة التي ينبغي أن يعلمها المربون هو اتباع أسلوب التشجيع بالكلمة الطيبة حينا وبمنح الهدايا أحيانا، وانتهاج أسلوب الترغيب تارة واستعمال طريقة الترهيب تارة أخرى، وقد يضطر المربي في بعض الحالات أن يلجأ إلى العقوبة الزاجرة إذا رأى فيها مصلحة الولد في تقويم الانحراف والاعوجاج كل هذه الوسائل تنفع بإذن الله وعونه في تعويد الولد على الفضائل النفسية والمكارم الخلقية والآداب الاجتماعي، وتجعل منه إنسانا فاضلا يحارب الفساد وينفع العباد والبلاد، تجعله محبوبا عند الله ومقبولا عند الناس.
اللهـم أصلح منا الكبار والصغار واجعل أولادنــا دعاة رسالة ورجـال إصلاح وشباب دعــوة وجنود جهاد آمين.