تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما يحمل من معنى

ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما يحمل من معنى

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

أولا : نسبه من جهة أبيه

محمد، بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرَّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، ابن نزار، بن معد بن عدنان. (1) وتتصل سلسلة نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ومنه

إلى شيث بن آدم، على نبينا وعليهم السلام. (2)

ثانيا : نسبه من جهة أمه

محمد بن آمنة، بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر(3)  ويتصل نسبها مع النبي صلى الله عليه وسلم بالجد الخامس له صلى الله عليه وسلم، وهو “كلاب”.

جاء في الاستيعاب لابن عبد البر ما نصه: “لم يختلف أهل العلم بالأنساب والأخبار وسائر العلماء بالأمصار أنه صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان. هذا ما لم يختلف فيه أحد من الناس “(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (174/1)، المختصر الكبير في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن جماعة ص 16.
(2)  انظر: المختصر الكبير في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن جماعة ص 17.
(3) انظر: سيرة ابن هشام (110/1)
(4) الاستيعاب لابن عبد البر (25/1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثا : ولادته

ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين قبل الفجر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول عام الفيل، وعاش بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره ثلاث وخمسون سنة، فدخل المدينة يوم الإثنين 12 ربيع الأول، ولبث عشر سنين.  قال ابن عبد البر: «وكان صلى الله عليه وسلم قد ولد يوم الإثنين، ونُبّئ يوم الإثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وقبض صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، ضحى في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة 11هـ. ودفن صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس). انتهى منه(1)،

رابعا: خصائص مولده يوم الإثنين

ومن الخصائص التي اختصت به صلى الله عليه وسلم أنه بعث يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. وقد ذكر الحكمة من ذلك ابن الحاج في كتابه المدخل (2)، ونقل ذلك عنه السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوي تحت عنوان “حُسْنُ المقصد في عمل المولد”، ونصه:

“فائدة: قال ابن الحاج: فإن قيل: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خُصّ مولده الكريم بشهر ربيع الأول ويوم الاثنين ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر، ولا في الأشهر الحرم ولا في ليلة النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة وليلتها؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الاستيعاب لابن عبد البر (47/1).
(2)  انظر : المدخل لابن الحاج (26/2 . 28). وفيه كلام مفصل اختصره السيوطي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالجواب من أربعة أوجه:

الأول: ما ورد في الحديث من «أن الله خلق الشجر يوم الاثنين» (1)، وفي ذلك تنبيه عظيم، وهو أن خلق فيه(2) الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يمتد به بنو آدم ويحيون وتطيب بها نفوسهم (3)

الثاني: أن فـي لفظ “ربيع” إشارة وتفاؤلا حسنا بالنسبة اشتقاقه، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب.

الثالث: أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها، وشريعته أعدل الشرائع وأسمحها.

الرابع: أن الحكيم سبحانه أراد أن يُشرف به الزمان الذي ولد فيه، فلو وُلد في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يُتوهم أنه يتشرف بها” انتهى النقل(4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: “خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل “.أخرجه مسلم (2194/4، رقم 2789/27).
(2) قولنا: (فيه) هي زيادة مني، اقتضاها المقام. (الشيخ محمد شارف).
(3) ثم إن فيه إشارة إلى فضيلة هذا الشهر العظيم، بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الإثنين: «ذاك يوم ولدت فيه». انتهى من الحاوي للفتاوي للسيوطى (227/1). (الشيخ محمد شارف! ) والحديث أخرجه مسلم (819/2، رقم 1162/197).
(4) الحاوي للفتاوي للسيوطي (230/1. 231).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خامسا: من خصائصه صلى الله عليه وسلم

وجاء في منهاج المسلم لأبي بكر جابر الجزائري ما يلي: «وخص النبي صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تكن لأحد سواه.

ـ منها: الوسيلة، والكوثر، والحوض، والمقام المحمود، وساق الأدلة النقلية والعقلية، فراجعها فيه(1).

ـ ومنها: شهادته تعالى له صلى الله عليه وسلم، وشهادة الملائكة له بالوحي.  وإخباره سبحانه عن عموم رسالته، وختم نبوته، ووجوب طاعته ومحبته، وكونه خاتم النبيين، وإخباره عن نبوته وختم النبوات بها، وشهادة التوراة والإنجيل ببعثه صلى الله عليه وسلم، وتبشير موسى وعيسى عليهما السلام به(2).  هذا من ناحية النقل.

وأما الأدلة العقلية فكثيرة.

ـ منها: ما المانع من أن يرسل محمد صلى الله عليه وسلم  وقد أرسلت رسل من قبله، وبعثت آلاف الأنبياء من قبله كذلك.

ـ ومنها: أن الظروف التي اكتنفت بعثته صلى الله عليه وسلم كانت تتطلب رسالة سماوية ورسولا يجدد للبشرية عهد معرفتها بربها عز وجل.

ـ ومنها: صحة المبادئ التي جاء بها صلى الله عليه وسلم صحة وصلاحا، وقد ظهرت نتائجها طيبة مباركة، تشهد أنها من عند الله سبحانه، وأن صاحبها رسول الله حقا، كما عبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه في واقعة حنين، وقد انصرف عنه كل الناس إلا قليلا، بقوله: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب(3).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: منهاج المسلم، لأبي بكر جابر الجزائر ص 26.
(2) انظر: المرجع نفسه ص 27.
(3) أخرجه البخاري (30/4، رقم 2864). وفي غير هذا الموضع.  ومسلم (1400/3 . 1402، رقم 78، 79، 1776/80).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ ومنها: ما ظهر على يديه من المعجزات التي تحيل العـادة صدورها عن غير نبي ورسول .

ـ ومنها: انشقاق القمر له صلى الله عليه وسلم(1)، حين طلبت منع قريش ذلك، قصد إعجازه، فأراهم الله آيته دلالة على صدقه في دعواه الرسالة(2).

ولا تسل عن غيرها… من مثل نطق الشجر له (3) ـ

وحنين الجذع وبكائه بصوت سمعه من في المسجد حتى نزل صلى الله عليه وسلم واحتضنه فسكت كما يسكت الصبي حين تحتضنه أمه(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اشهدوا”. أخرجه البخاري (142/6، رقم 4864). وفي غير هذا الموضع.  ومسلم (2158/4. 2159 رقم 2800/43, 2801، 2802).
(2)  وجاء في ذلك قوله تعالى: (اقتربت الساعة وأنشق القمر) (سورة القمر/1).
قال الإمام الطبري في تفسيره (565/22): “وكان ذلك فيما ذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، قبل هجرته إلى المدينة وذلك أن كفار أهل مكة سألوه آية، فأراهم صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، آية حجّة على صدق قوله، وحقيقة نبوته”.
(3) عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين تريد؟» قال: إلى أهلي قال: «هل لك في خير؟” قال: وما هو؟ قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» فقال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: «هذه السلمة» فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخدُّ الأرض خدا حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت، فكنث معك.  أخرجه الدارمي (166/1، رقم 16). قال محققه: حديث صحيح. وأبو يعلى الموصلي في مسنده (34/10، رقم 5662). قال محققه: إسناده حسن.  وابن حبان (343/14، رقم 6505). قال محققه: رجاله ثقات، رجال الصحيحين.
(4) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم  إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت”. أخرجه البخاري (195/4، رقم 3585).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومثله تكثير الطعام القليل للجمع الكثير، كما وقع يوم حفر الخندق(1) وغير ذلك، إذ معجزاته له كثيرة تفوق الحصر، أجلها القرآن الكريم(2)  الذي أعجز البلغاء من العرب، وقد تحداهم الله في كتابه أن يأتوا بأقصر سورة منه فعجزوا(3)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كُدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنة معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب، فعاد كثيبا أهْيَلَ أو أهْيَمَ، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبَحتِ العناق، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طُعَيِّمٌ لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: «كم هو» فذكرت له، قال: كثير طيّب، قال: قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنُّور حتى آتي، فقال: قوموا فقام المهاجرون، والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويُخمِّرُ البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويُقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة “. أخرجه البخاري (108/5، رقم 4101). واللفظ له. ومسلم (1610/3، رقم 2039/141).
(2) قال اللقاني في جوهرة التوحيد ص 5:       ومعجزاته كثيرة غرر  …  منها كلام الله معجز البشر
(3) انظر: منهاج المسلم، لأبي بكر جابر الجزائري ص 31.29.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وختاما فإن ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم تذكرنا بكل ما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن لربكم عزّ وجلّ فـي أيـام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعلّه أن تصيبكم نفحة منها، فـلا تشقون بعـدها أبدا”(1).

هذا ونسأل الله الكريم أن ينفعنا بهذه الذكرى، وأن يجعلها تعود علينا كلما أقبلت بالأمن والأمان، والسلم والسلام، وجمع شمل المسلمين ووحدتهم في دينهم ودنياهم. آمين، والحمد لله رب العالمين.

محمد شارف   07 ربيع الأول 1418ه /  12 جويلية 1997 م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه الطبراني في الكبير (233/19، رقم 519) بسند بسنده عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه بهذا اللفظ. ورواه في الأوسط (180/3، رقم 2856) عنه. كما رواه الترمذي الحكيم في نوادره (2 293)، وابن عبد البر في التمهيد (339/5) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.  وابن أبي الدنيا في كتاب الفرج (ص44، رقم 27) من حديث أبي هريرة بلفظ: “لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها”. أفاد هذا العجلوني صاحب كشف الخفاء (263/1 [الشيخ محمد شارف ].