تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

غزوات وفتوحات عِبر ودروس

غزوات وفتوحات عِبر ودروس

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.

مقدمـــة

إن الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض، وهذا التكليف يوجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم والبغي حيث كان ويزيلوا أسبابه، لا ليملكوا الأرض ويستولوا على المرافق، ويستذلوا الأنفس بل لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض. قال تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾(البقرة/244). وقال أيضا: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾(الحج/78).

وسبيل الله هو سبيل الحق، فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه هو: في سبيل الله وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق هو من القتال في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق أو حمايته أو الدفاع عنه في سبيل الله سبحانه وتعالى. فالإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبدا لتحقيق كلمـة الله في الأرض أي لتحقيق النظام الصالح الذي يسعد البشريـة، والأمة الإسلامية منتدبة لرفع الظلم عن الأفراد والجماعات في أقطار الأرض كافة بقطع النظر عن ألوانهم وأجناسهم وأديانهم: قال جـلّ ذكره مخاطبا المسلمين: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً( البقرة/143). أي لتكونوا أيها المسلمون شهداء على الناس في تقصيرهم وغلوهم، فتقوموا بإصلاح عوجهم .

وليس في هذا الأمر إظهار  فضل أمة على أخرى أو جرح كبرياء أمة من الأمم، لأن الله الذي وضع هذا الانتداب لم يجعله ميزة لشعب من الشعوب ولا وقفا على جنس من الأجناس، ولكنه جعله للجماعة التي تدين بأصوله مهما كان لون هذه الجماعة أو جنسيتها، ونصوص القرآن الكريم واضحة في أن الإسلام دين عام للناس كافة. قال الله تعالى مخاطبا رسولـه الكـريم سيدنا محمدا صلى الله عليـه وسلم:﴿ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾(الأعراف/158).

ولهذا نرى النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سفراءه إلى ثمانية ملوك وأمراء مجاورين لجزيرة العرب يحملون كتبا منه يدعوهم فيها إلى الإسلام، فرفض هؤلاء الحكام دعوته، فمنهم من قتل سفيره ومنهم من مزق تلك الكتب مع تهديد الرسول الذي يحملها، فكان لزاما على المسلمين أن يحاربوا هؤلاء بعد أن تبين أنهم قتلوا الدعاة وفتنوا أتباعهم وساسوهم بسياسة الظلم .

يقول الدكتور نجيب الأرمتازي في كتابه ” الشرع الدولي في الإسلام ” ولما أخذ العرب أهبتهم لمقاتلة فارس والروم اللتان كانتا تقتسمان أكثر بقاع العالم المعروفة يومئذ ولكنهما مضمحلتان اضمحلالا سياسيا واجتماعيا، فقد أنهكتهما الحروب المتتابعة، ولم يخرجا منها وفيهما بقية، وكانت سيرة الدولتين سيرة ظلم وجبروت تستـأصل الرعيـة وتفدحها بالمؤن المجحفة، وتميت ما في قلوب أبنائها من حب الوطن ومناصحة الحكام. وكان أهلهما يعتقدون عقائد مزخرفة مشوهة، فانقلبت الزراداشتية دين فارس الموروث إلى مجوسية سحرية قائمة على أساس الجور والبغي  مكـروهة منبوذة في السر، وغشيت النصرانية في الشرق ببهارج الوثنية، وفسدت بالمناظرات الجدلية التي ورثتها من متأخري اليونـان  فافترقت المجوسية والنصرانية إلى فرق كبرى تتوارث العداوة والبغضاء ويعذب بعضها بأيدي بعض، كل ذلك مما أفاد الفاتحين  القادمين، فلم يلق الإسلام في مكان ما مقاومة شعبية ولم يكن يعبأ أهل العراق إذا بذلوا الخراج إلى بيزنطة أو إلى المدائن أو المدينة وإذا خيروا بين العرب والفرس فلا جرم أن الأولين كانوا أبر وأنقى وأعدل وأرحم وشهادة بعض علماء الغرب في الفتح الإسلامي تعزز هذه الحقيقة. قال الدكتـور “جوستاف لوبون” في كتابه حضارة العرب: “سيرى القارئ حيث يبحث في فتوح العرب وأسباب انتصاراتهم أن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن  وأن العرب تركوا المغلوبين أحرارا في أديانهم، فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية إلى الإسلام  واتخذوا العربية لغة لهم فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن  للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى “.

وقال: ” ميشود ” في كتابه تاريخ الحروب الصليبية: ” إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وهو قد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وقد حرّم قتل الرهبان على الخصوص، لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس، وقد ذبح الصليبيون المسلمين وحرقوا اليهود عندما دخلوها “. وجاء في كتاب “العالم الإسلامي الجديد”: “ولم يبتغ العرب من فتوحهم إحراز المغـانم ودرس المعالم بل كانوا ضد ذلك: أبناء أمة كريمة تحب العلم والتعلم، وتجل ميراث الحضارات السابقة. وقد تشابكت بين الغالبين والمغلوبين أرحام المصاهرة وعقدت قلوبهما على الأخوة الدينية، فلم يلبث الفريقان أن امتزج بعضهما ببعض ليخرجا للناس حضارة جديدة، هي حضارة الإسلام التي أحيت آثار اليونان والفرس والروم وطبعتها بطابع العزيمة العربية والعبقرية الإسلامـية “. هذه هي أقوال بعض المؤرخين والكتّاب في الفتح الإسلامي، وهي سيرة لا يوجد لها مثيل في التاريخ الديني والاجتماعي لأمة من أمم الأرض مما يشهد على أن القرآن له تأثير في الجماعات البشرية مما لا يوجد لكتاب قبله وهو بذلك يعطي البرهان الواضح على أنه وحي إلهي: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾(فصلت/42).

فهؤلاء هم المؤمنون حقا، المؤمنون الذين اشترى الله منهم فباعوا.  وإنها لبيعة رهيبة ولكنها في عنق كل مؤمن قادر عليها لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه. قــال تعـالى: ﴿إن الله اشتـرى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾( التوبة/111).

حقيقة هذه البيعة، أو هذه المبايعة كما سماها الله كرما منه وفضلا وسماحة، أن الله سبحانه قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم فلم يعد لهم منها شيء، لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله، لم يعد لهم خيار في أن يبذلــوا أو يمسكوا – كلا – إنها صفقة مشتراة لشاريها أن يتصرف بها كما شاء وفق ما يفرض ووفق ما يحدد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يلتفت ولا يتخير، ولا يناقش ولا يجادل ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام.. والثمن: هو الجنة، والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال، والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد. فمن بايع هذه البيعة ووفىّ بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف المؤمن وتتمثل فيه حقيقة الإيمان وإلاّ فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق. ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم، ولم تكن مجرد معان يتأملونها بأذهانهم أو يحسونها مجردة في مشاعرهم، كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها لتحويلها إلى حركة منظورة لا إلى صورة متأمّلة.. هكذا أدركها عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في بيعة العقبة الثانية.

قال محمد بن كعب القرضي وغيره: “قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلـم (يعني ليلة العقبة): “اشترط لربك ولنفسك ما شئت”. فقال: عليه الصلاة والسلام: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعـوني مما تمنعـون منه أنفسكم وأموالكم» قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل “. وإذ يشير شيخنا الهمام بن عليوة رحمه الله إلى هذه المبايعة بقوله :

” نحن وأهل بدر في العتق سواء  ****  ما بـــي بــهــــم ومـــــا بــــهــــــم بــــــــي “

يعلن أن الحق لابد أن ينطلق في طريقه ليحرر البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية لله وحده، ولابد أن يقف له الطاغوت في الطريق ولابد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقا. ومادام في الأرض كفر ومادام في الأرض باطل ومادامت في الأرض عبودية لغير الله تذل كرامة الإنسان فالجهاد في سبيل الله ماض والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء وإلا فليس بالإيمان قال عليه الصلاة والسلام: « من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق »  رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

فالجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاع إلى القتال إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال، والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة تسير خلف قافلة بدر المباركة في كل زمـان وفي كل مكان، ولن تخل الأرض من وجودهم والحمد لله لأنهم هم أمان أهل الأرض وهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم.

من أسرار غزوة بدر الكبرى

قلنا فيما مضى إن صح ما دلت عليه الأحاديث والآثار أن بدء مشروعية القتال إنما كان بعد الهجرة. ولقد وضعت هذه المشروعية موضع التنفيذ في شهر صفر على رأس اثني عشر شهرا من هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك لأول مرة بقصد الغزو وكانت الغزوة إذ ذاك غزوة ودان يريد قريشا وبني حمزة ولمنه عليه الصلاة والسلام كفي القتال فقد وادعه بنو حمزة وعاد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى المدينة دون قتال.

سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بعير تجارية لقريش قادمة من الشام بإشراف أبي سفيان بن حرب، فندب المسلمين إليها ليأخذوها لقاء ما تركوه من أموالهم في مكة، فخف بعضهم لذلك وتثاقل آخرون إذ لم يكونوا يتصورون قتالا في ذلك.. ويصور لنا الحق عزّ وجل هذه الحال في سورة الأنفال بقوله: ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ( العير أو النصر ) وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكـم ( يعني العير ) ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾ (الآيات/5-8). وتحسس أبو سفيان الأمر وهو في طريقه إلى مكة فبلغه عزم المسلمين على خروجهم لأخذ العير فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليخبر قريشا بالخبر ويستنفرهم للخروج محافظة على أموالهم .

فبلغ الخبر قريشا، فتجهزوا سراعا وخرج كلهم قاصدين بدر وحتى أنه لم يتخلف من أشراف قريش أحد وكانوا قريبا من ألف مقاتل وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان مع أصحابه وكانوا فيما رواه ابن إسحاق ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا وكانت إبلهم سبعين يتعاقب على الواحدة منها اثنان أو ثلاثة من الصحابة وهم لا يعلمون من أمر قريش وخروجهم شيئا. أما أبو سفيان فقد أتيح له أن يحرز عيره، إذ سلك طريق الساحل إلى مكة وجعل ماء بدر عن يساره وأخذ يسرع حتى أنجى عيره وتجارته من الخطر.

1 ) استشارة الصحابة في القتال 

وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم. فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال ” يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾(المائدة/24) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع باليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له به. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أشيروا علي أيها الناس ». وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: ” يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا. فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا. نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. ” فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: ” والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: ” فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله”. فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: « سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم».

2 ) السؤال عن موقع المشركين     

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يتحسس أخبار قريش وعددهم عن طريق العيون التي بثها حتى علم المسلمون أنهم ما بين التسعمائة والألف وأن فيهم عامة زعماء المشركين. وقد كان أرسل أبو سفيان إليهم أن يرجعوا إلى مكة إذ أنه قد أحرز العير ولكن أبا جهل أصر المضي. وكان مما قال: ” والله لا نرجع حتى نردا بدرا فنقيم عليه ثلاثا ، فننحر الجزر ونطعــم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا”.

3 ) مكان نزول المؤمنين والمشركين ببدر 

ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا (ليّنا) فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قريشا منها مالم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به. قال الحباب بن المنذر رضي الله عنه: ” يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ” بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر (ندفن) ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية. وقال سعد بن معاذ يا نبي الله: ” ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا. فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك “. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه. وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوّب (تنحدر) من العقنقل وهو الكثيب الذي جاء ومنه إلى الوادي، قال: « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة (أهلكهم )». فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: والذي نجاني من يوم بدر “.

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطمئن أصحابه بتأييد الله ونصره حتى أنه كان يقول هذا مصرع فلان (أي المشركين) وهو يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا.. فما تزحزح أحدهم من مقتله عن موضع يده ( رواه مسلم). وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يجأر إلى الله تعالى بالدعاء مساء ليلة الجمعة لسبع عشر مضت من شهر رمضان ويقول: «اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها ..الخ..» وظل يناشد الله متضرعا وخاشعا وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. فالتزمه من ورائه وقال له: ” يا رسول الله أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك “. وأقبل المسلمون أيضا يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة.

ويصور القرآن الكريم هذه الابتهالات الصادقة فيقول: ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾(الأنفال/9-10). وفي سورة آل عمران ما نصه: ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون، إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ﴾(123-126).

4 ) المعركة تبدأ بمبارزة

رغم معارضة عتبة بن ربيعة الذي اقترح على قريش أن يرجعوا إلى مكة ويخلوا بين ” محمد ” والعرب، ثار أبو جهل بن حنظلة بن مالك في وجه حكيم بن حزام الذي أرسله عتبة إليه فقال: “انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه”. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال هذا حليفكم يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك (عهدك) ومقتل أخيك فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا ( اجتمعوا ) على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.

وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلا شرسا سيء الخلق فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه”. فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب (أسد الله رضي الله عنه) فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه ( أطارها ) بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تخشب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبر بيمينه وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة وهم عوف ومعوذ ابن الحارث ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم فقالوا رهط من الأنصار قالوا: مالنا بكم من حاجة ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا علي. فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فذكر كل واحد منهم اسمه. قالوا: نعم أكفاء كرام ». فبارز عبيدة وكان أسن القوم، عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فدنفا عليه (أجهز عليه) واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه .

ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ألاّ يحملوا حتى يأمرهم، وقال: « إن اكتنفتم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه » .

5 ) فكانت وقعة بدر يوم الجمعة سبع عشرة من رمضان 

ثم عدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر الصديق، ليس معه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد. وأبو بكر يقول: ” يا نبي الله بعض مناشدتك ربّك فإن الله منجز لك ما وعدك”.

وقد خفق رسول الله خفقة (نام نومة خفيفة) وهو في العريش ثم انتبه فقال: ” أبشر يا أبابكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع (الغبار). ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرضهم وقال: « والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ». فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء.. ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل شهيدا.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ثم قال: ” شاهت الوجوه. ثم نفخهم بها وأمر أصحابه فقال: شدوا. فكانت الهزيمة. فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم. وألقيت جثث المشركين وعلى رأسهم أبى جهل عدو الله لعنه الله، الذين ضرعوا في هذه الغزوة وفيهم عامة صناديدهم، في قليب بدر وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضفة البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء أبائهم: يا فلان ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا روح لها.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم »(رواه البخاري ومسلم ).

واعلم أن الله سبحانه وتعالى أيد أهل بدر بالملائكة الكرام، فإنها لم تقاتل في يوم سوى بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا أو مددا، لا يضربون. فقد أمرهم جل وعز أن يقاتلوا مع المؤمنين وعلمهم كيف يقاتلون قال تعالى: ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ (الأنفال/12).

إنه الأمر الهائل: إنها معية الله سبحانه وتعالى للملائكة في المعركة واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة.. ولا ينبغي لنا أن نبحث كيف اشتركت الملائكة؟ ولا كم قتيلا قتلت؟ ولا كيف قتلت؟  إننا نؤمن بوجود خلق من خلق الله اسمهم الملائكة، خلقهم جلّ وعزّ من النور لطاعته لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون فهم يعبدون ربهم ومن عبادته لا يسأمون. وقد أوحى إليهم ربهم أني معكم وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا، لأنهم يفعلون ما يؤمرون ولكننا لا ندري كيف فعلوا، وأمرهم أن يضربوا فوق أعناق المشركين وأن يضربوا منهم كل بنان ويعني بالبنان الأطراف كما قال ابن عباس. أي اضربوا الهام فاخلعوها واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم. ففعلوا ذلك بكيفية لا نعلمها، ولا نعلم عن الملائكة إلا ما علمنا الله.. ولقد وعد الله أن يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا فكان كذلك ووعده الحق، ولكنا كذلك لا نعلم كيف كان، فالله هو الذي خلق وهو أعلم بما خلق وهو يحول بين المرء وقلبه وهو أقرب إليه من حبل الوريد.

6) فرح المسلمون بنصر الله وبما أفاء الله عليهم من الأنفال

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة ثم أقبل قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبي معيط والنظر بن الحارث. واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية، فقسم هناك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء.

ثم بعثت قريش في فداء الأسارى. وكان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل إلى ألف درهم إلاّ من لا شيء له، فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الأسرى. فأشار عليه أبوبكر رضي الله عنه أن يأخذ منهم فدية من المال تكون قوة للمسلمين ويتركهم عسى الله أن يهديهم. وأشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتلهم لأنهم أئمة الكفر وصناديده. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم مال إلى ما رآه أبوبكر من الرحمة بهم وافتدائهم. وحكم فيهم بذلك، غير أن آيات من القرآن نزلت عتابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وتأييدا للرأي الذي رآه عمر من قتلهم وهي من قوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة … إلى قوله تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبّا (الأنفال /67-69).

واعلم رحمك الله أن من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والأنصار، من شهدها منهم ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا.