بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
مقدمــة
إن رمضان القدس الشريف يعني على العموم استرجاع الأمة الإسلامية لمقدساتها المغصوبة ولحقوقها المهضومة وعلى الخصوص تحرير الأرض المقدسة “فلسطين” من القبضة الصهيونية وعلى الأخص تطهير القدس الشريف أو المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله من أرجاس الصليبية واليهودية على السواء…فالكفر ملّة واحدة فاليهود والنصارى يؤازر بعضهم بعضا في محاربة الإسلام، فكلاهما عدو لنا ولديننا وكلاهما تحرم ولايته ونصرته علينا ولكن اليهود يمتازون بدرجة أعلى في الحقد على الإسلام وأهله وكأنهم خلقوا للدمار والخراب قال تعالى: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين﴾ (المائدة/64).
وما تزال طوائف اليهود متعادية. وإن بدا في هذه الفترة أن اليهودية العالمية تتساند، وتوقد نار الحرب على البلاد الإسلامية وتفلح. ولكن ينبغي ألا ننظر إلى فترة قصيرة من الزمان ولا إلى مظهر لا يشتمل على الحقيقة كاملة. ففي خلال أربعة عشر قرنا بل من قبل ظهور الإسلام واليهود في شحناء وفي ذلٍّ كذلك وتشرد ومصيرهم إلى مثل ما كانوا فيه مهما تقم حوله الأسناد ولكن مفتاح الموقف كله في وجود العصبة المؤمنة التي يتحقق لها وعد الله فأين هي العصبة المؤمنة اليوم التي تتلقى وعد الله !!! وتقف ستارا لقدر الله ويحقق الله بها في الأرض ما يشاء؟؟؟
ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام: تؤمن به على حقيقته وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته يومئذ يحق وعد الله على شرّ خلق الله ويومئذ رمضان القدس الشريف﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم﴾ (الروم/4-5).
الفصل الأول
اليهود أشد الناس عداوة للإسلام
إذا نظرنا إلى الواقع التاريخي نجده يصدق ما حذّر الله الأمة الإسلامية إياه من اليهود ومن النصارى سواء. وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للإسلام منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الإسلام عليهم المدينة، في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة. وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم، فإنّ هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبيين أنهم اتخذوا من الإسلام موقف العداء منذ واقعة اليرموك بين جيش المسلمين وجيوش الروم[1] فيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك… يلاقون من ظلمها الوبال، وحالات استجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه.
أ-اليهود والنصارى ملّة واحدة
لقد تجلّت أحقاد الصليبية على الإسلام وأهله في الحروب الصليبية المشهورة طوال قرنين من الزمان كما تجلّت في حروب الإبادة التي شنتها الصليبية على الإسلام والمسلمين في الأندلس ثم في حملات الاستعمار والتبشير على الممالك الإسلامية في إفريقية أولا ثم في العالم كله أخيرا.
ولقد ظلت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية حليفتين في حرب الإسلام – على كل ما بينهما من أحقاد- ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العليم الخبير ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ حتى مزّقوا دولة الخلافة الأخيرة ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدّين عروة عروة وبعد أن أجهزوا على عروة “الحكم” هاهم أولاء يحاولون الإجهاز على عروة “الصلاة”.
ثم هاهم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنيين فيؤيدون الوثنية حيثما وجدت ضد الإسلام، عن طريق المساعدات المباشرة تارة وعن طريق المؤسسات الدولية التي يشرفون عليها تارة أخرى وليس الصراع بين الهند وباكستان على كشمير وموقف الصليبية منها ببعيد.
وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولى سحق حركات الإحياء والبعث الإسلامية في كلّ مكان على وجه الأرض. وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة ودق الطبول من حولهم ليستطيعوا الإجهاز على الإسلام في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذين يلبسون أردية الأبطال.. هذا موجز سريع لما سجّله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرنا من مواقف اليهودية والصليبية تجاه الإسلام، لا فرق بين هذه وتلك ولا افتراق بين هذا المعسكر وذاك في الكيد للإسلام والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمان. وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغدا، فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة.
إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئا أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة مهما قلّ عددها وعُدَّتها فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله…فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة. وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة ولكن ضررهم لا يقل حينئذ عن ضرر أعدى الأعداء بل إنه ليكون أشد أذى وضرا[2]. ولكن اليهود ظلوا ولا زالوا أصل كل عداء وأصل كل فتنة وخاصة إذا كانت ضد المسلمين.
وصدق الله العظيم إذ يعلن هذه العداوة صراحة بقوله: ﴿لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ (المائدة/82). وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التقرير الربّاني بالواقع التاريخي المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللحظة الحاضرة فإنه لا يتردد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائما أشدّ وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدا من عداء الذين أشركوا.
لقد واجه اليهود الإسلام منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام بالمدينة المنورة، وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة. وتضمّن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنّها اليهود على الإسلام وعلى رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلى الأمة المسلمة في تاريخها الطويل والتي لم تخب لحظة واحدة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا وما تزال حتى اللحظة يتسعر أوارها [3] في أرجاء الأرض جميعا.
لقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم أول مقدمه إلى المدينة معاهدة تعايش مع اليهود، ودعاهم إلى الإسلام الذي يصدق ما بين أيديهم من التوراة ولكنهم لم يفوا بهذا العهد -شأنهم في هذا كشأنهم مع كل عهد قطعوه مع ربهم أو مع أنبيائهم من قبل، حتى قال الله فيهم: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بيّنات وما يكفر بها إلا الفاسقون. أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾ (البقرة/101.99).
ولقد أضمروا العداء للإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول الذي جمع الله فيه الأوس والخزرج على الإسلام، فلم يعد لليهود في صفوفهم مدخل ولا مخرج، ومنذ اليوم الذي تحددت فيه قيادة الأمة المسلمة وأمسك بزمامها سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تعد لليهود فرصة للتسلط.
ولقد استخدم كل الأسلحة والوسائل التي تفتقت عنها عبقرية المكر اليهودية وأفادتها من قرون السبي في بابل، والعبودية في مصر والذلّ في الدولة الرومانية ومع أن الإسلام قد وسعهم بعد ما ضاقت بهم الملل والنحل على مدار التاريخ، فإنهم ردوا للإسلام جميله عليهم أقبح الكيد وألأم المكر منذ اليوم الأول.
ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة وراحوا يجمعون القبائل المتفرقة لحرب الجماعة المسلمة: “ويقولون للذين كفروا: ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق – يوم أن كان الناس مسلمين-استداروا يكيدون له بدسّ المفتريات في كتبه-لم يسلم من هذا الدسّ إلا كتاب الله القرآن الكريم الذي تكفل بحفظه سبحانه وتعالى-ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار. ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض.. حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الأرض، وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة، وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين، ويشنونها حربا صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدّين.. وصدق الله العظيم حين قال: ﴿لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾.
إن الذي ألبّ الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة المنورة وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم وبين قريش في مكة، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة يهودي.. والذي ألبّ العوام وجمع الشراذم وأطلق الشائعات في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه وما تلاها من النكبات يهودي.. والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الروايات والسير يهودي..
ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة، ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال “الدستور” بها في عهد السلطان عبد الحميد ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي “البطل” أتاتورك.. يهودي..
وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود.. ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية يهودي ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي ووراء معظم النظريات الهدّامة لكل المقدسات والضوابط يهود.[4]
ولقد كانت الحرب التي شنّها اليهود على الإسلام أطول أمدا وأعرض مجالا من تلك التي شنّها عليه المشركون والوثنيون على ضرواتها-قديما وحديثا. إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول. أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة، ولكنها لاتبلغ ضراوة الصهيونية العالمية (التي تعدُّ الماركسية مجرد فرع لها) وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية التي سبق ذكرها..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ