بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
الزكـاة غير الصدقة
والزكاة غير الصدقة، فالصدقة يدفعها المسلم تطوعا وهو حر حين يدفعها كبيرة كانت أم صغيرة لأنها تنبع من الإحساسات النبيلة والمشاعر الطاهرة والعواطف الكريمة، ولا تتقيد بقيود ولا تخضع لشروط.. وأجر المتصدق عند الله إن كانت من مال حلال، وإلا ردت عليه لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
ولهذه الصدقة مثوبة عند الله، قال جل وعلا في سورة البقرة عن هذه النفوس السخية: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾(261-262 ) .
إن المعنى الذهني للتعبير ينتهي الى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة الى سبعمائة حبة! أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل، وأكثر استجاشة للمشاعر وتأثيرا في الضمائر… ويتجه بالضمير البشرى إلى البذل والعطاء بل إلى الأخذ دون عطاء وإلى زيادة دون نقصان.. والله يضاعف الانفاق الذي يرفع المشاعر الانسانية ولا يشوبها، الانفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعورا، الانفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه.
والمن عنصر كريه لئيم، وشعور خسيس واط. فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب أو رغبة في إذلال الآخذ أو رغبة في لفت أنظار الناس. فالتوجه إذن للناس لا لله تعالى بالعطاء. وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب ولا تخطر كذلك في قلب المؤمن. فالمن من ثم يحيل الصدقة أذى للواهب وللآخذ على السواء. أجل أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء ورغبة في رؤية أخيه ذليلا له كسيرا لديه، وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله، وهو أذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام ومن رد فعل بالحقد والانتقام.. وذهب بعض الباحثين النفسيين أن رد الفعل الطبيعي في النفس البشرية للإحسان هو العداء في يوم من الأيام.. وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطى، ويظل هذا الشعور يحز في نفسه، فيحاول الاستعلاء عليه بالتهجم لصاحب الفضل عليه وإضمار العداوة له، لأنه يشعر دائما بضعفه ونقصه تجاهه، ولأن المعطى يريد منه دائما أن يشعر بأنه صاحب الفضل عليه! وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه حتى يتحول إلى عداء.. وقد يكون هذا كله صحيحا في المجتمعات الجاهلية.. وهي المجتمعات التي لا تسودها روح الاسلام ولا يحكمها الاسلام…
أما هذا الدين الحنيف فقد عالج المشكلة على نحو آخر، عالجها بان يقرر في النفوس أن المال مال الله والرزق الذي في ايدي الواجدين هو رزق الله، جعلهم الله مستخلفين فيه ليبلوهم أيهم أحسن عملا.. وهي الحقيقة التي لا يجادل فيها الا جاهل بأسباب الرزق البعيدة والقريبة، وكلها منحة من الله لا يقدر الانسان منها على شيء. وحبة القمح الواحدة قد اشتركت في ايجادها كما قال صاحب ظلال القرآن رحمه الله قوى وطاقات كونية من الشمس إلى الأرض إلى الماء إلى الهواء، وكلها ليست في مقدور الانسان.. وقس على حبة القمح نقطة الماء وخيط الكساء وسائر الأشياء. فإذا أعطى الواحد من ماله شيئا فإنما من مال الله أعطى. وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض لله يضاعفه له أضعافا كثيرة… وهل يملك شيئا حتى يجود به؟ ولم البخل إذا؟ ولم المن والاستعلاء؟ ألا يدرك أنه لولا إحسان الله له لصعب عليه الانفاق، وهل يعقل أن يحسن لغيره دون إحسان الله له؟ فإذا أنفق فقد أنفق طامعا في ثواب الله في الدنيا والآخرة، طامعا في قبول الصدقة وغفران الذنوب وتطهير النفس من الأدران وزيادة على هذا طامعا في النعيم المقيم.. على شيء أنفقه بشعور نبيل خلقه الله في نفسه، على شيء قليل لم يملكه إطلاقا، قليل بالنسبة للعوض الذي يسعى إليه، بسبب الآخذ المحروم.
أما الزكاة فهي أشبه ما تكون بالضريبة الانسانية يدفعها من يملكون نصابها إلى بيت مال المسلمين ليتولى صرفها في أوجهها المشروعة.
وإذا كان المسلم حرا إزاء الصدقة، له أن يبذلها متى شاء وأينما أراد وإلى من شاء فليس له الحرية إزاء الزكاة، لأنها فرض عين مقدس ما دام في الدولة حكومة إسلامية قائمة تنظم سياستها المالية. ولقد فكر بعض المنافقين في أوائل عهد خلافة سيدنا أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، في التمرد على الزكاة وامتنع فعلا عن دفعها. فلم يتوان الخليفة لحظة في قتالهم، ووقتها قال قولته المشهورة: ” لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”.
ومن هذا يتبين أن الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الأمة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين بحيث لو أنكر وجوبها أحد خرج من الاسلام وارتد عنه وقتل كفرا إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام فإنه يعذر لجهله بأحكامه. ومن امتنع عن أدائها مع اعتقاده وجوبها فإنه يأثم دون أن يخرجه ذلك عن الإسلام وعلى الحاكم أن يأخذها منه ويعزره ولا يأخذ من ماله أزيد منها على الراجح. ولو امتنع قوم عن أدائها مع اعتقادهم وجوبها وكانت لهم قوة ومنعة فإنهم يقاتلون عليها حتى يعطوها مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله”. وإذا لم يوجد في الدولة بيت مال المسلمين، فليس معنى هذا أن يصير المسلم في حل من دفع ما عليه من الزكاة، بل يجب أن يصرف ما عليه في تلك المصارف الثمانية كلها أو بعضها التي حددها القرآن. والله سائله عن ذلك ومحاسبه عليه حسابا دقيقا. قال جلّ علاه: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾(التوبة/34-35) وأنذر عزّ وجلّ في آية أخرى الذين يمتنعون عن أداء الزكاة بقوله في سورة آل عمران ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ﴾(180). إن مدلول هذه الآية عام، فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم، كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله، ويحسبون أن هذا البخل خير لهم يحفظ لهم أموالهم فلا تذهب بالإنفاق. والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب ويقرر أن ما كنزوه سيطوقونه يوم القيامة نارا (طوق حول أعناقهم) وهو تهديد مفزع. والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم يبخلون بما آتاهم الله من فضله، فهم لا يبخلون بمال أصيل لهم، فقد جاءوا إلى هذه الحياة حفاة عراة لا يملكون شيئا ولا جلودهم، فأتاهم الله من فضله فأغناهم حتى إذا طلب منهم أن ينفقوا شيئا مما تفضّل عليهم بكرمه، لم يذكروا هذا الفضل عليهم وراحوا يبخلون بالقليل وحسبوا أن في كنزه خيرا لهم وهو شر فضيع وهم بعد هذا كله ذاهبون إلى دار البقاء تاركي وراءهم كل ما لديهم من نعم لله خير الوارثين.
وهناك أحاديث كثيرة تحذرنا من الوقوع في هذه الحبائل الشيطانية: روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع (حية عظيمة) له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه (شدقيه) ثم يقول: أنا كنزك، أنا مالك ثم تلا عليه الصلاة والسلام هذه الآية: ﴿ولا تسحبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾“. وروى ابن ماجه والبزار والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وســلم قال: “يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهم ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة (الزنا) في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين (الفقر) وشدّة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلّط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم”. (يضرب بعضهم رقاب بعض).
والإسلام ما جعل فريضة الزكاة ترجع لهوى الشخص إن شاء أعطى وإن شاء منع بل جعلها إجبارية لأنها حق الفقير في مال الله الذي أعطاه للغني الموسر لقوله تعالى في سورة المعارج: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾(24/25). فكان حقا على الإمام أن يجمع حقوقهم من أغنيائهم ويوزعها عليهم بالسوية. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الزكاة ويأمر أمراءه كذلك بجمعها من الأغنياء ليردها على الفقراء.
وتجب على المسلم الحر المكلف المالك للنصاب من أي نوع من أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة ويشترط في النصاب أن يكون فاضلا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها كالمطعم والملبس والمسكن والمركب والآت الحرفة… وأن يحول عليه الحول الهجري. ويعتبر ابتداؤه من يوم ملك النصاب ولابد من كماله في الحول كلّه. وذهب الجمهور إلى أنه يشترط وجود النصاب في جميع الحول فإن نقص النصاب لحظة من الحول، في المال الذي يزكي من عينه كالذهب والفضة والماشية ويعتبر فيها الحول، انقطع الحول. فإن كمل بعد ذلك استؤنف العام من حين يكمل النصاب.
وتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون ويؤديها وليهما عنهما من مالهما عند النصاب وعلى المتدين إذ أوفى دينه وبقي من ماله قدر النصاب وإلا فلا زكاة عليه لأنه فقير والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: “لا صدقة إلا عن ظهر غنى”[1]. وتشترط لصحة أدائها النّية لأنها عبادة وذلك أن يقصد المزكي عند أدائها وجه الله عزّ وجلّ ويطلب بها ثوابه ويحزم بقلبه أنها الزكاة المفروضة عليه.
إن الزكاة حق ثابت مقرر وفريضة من الله تعالى ولكنه ليس حقا موكولا لأفراد يؤديه منهم من يرجو الله والدار الآخرة، ويدعه من ضعف يقينه بالآخرة وقلّ نصيبه من خشية الله، كلا. إنها ليست إحسانا فرديا وإنما هي تنظيم اجتماعي تشرف عليه الدولة، ويتولاه جهاز إداري منظم يقوم على هذه الفريضة الفذة جباية ممن تجب عليه وصرفا إلى من تجب لهم. وأبرز دليل على ذلك أن الله تعالى ذكر هؤلاء القائمين على أمر الزكاة جمعا وتفريقا، وسماهم العاملين عليها، وجعل لهم سهما في أموال الزكاة نفسها، ولم يحوجهم إلى أخذ رواتبهم من باب آخر تأمينا لمعاشهم وضمانا لحسن قيامهم بعملهم قال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ﴾(التوبة/60). وليس بعد هذا النص الصريح في كتاب الله، مجال لترخص مترخص، أو تأويل متأول أو زعم زاعم وخاصة بعد أن جعلت الآية هذه الأصناف وتحديدها فريضة من الله، كما هو معروف جليا من أصول الشرع الحنيف أي لا اجتهاد بعد نص، وهذا مستمد من وصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن داعية إلى الله تعالى حيث أقره صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد عند عدم وجود نص قاطع من الكتاب أو السنة ومن ذا الذي يجرؤ على تعطيل فريضة فرضها الله؟ وقال تعالى في نفس السورة التي ذكر فيها مصارف الزكاة: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾(وفي رواية لحفص: (إن صلاتك سكن لهم)“(التوبة/103). وفي حديث بن عباس رضي الله عنهما والمشهور في الصحيحين وغيرهما أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قال له: “أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.
وكما جاء الإسلام بذلك، وجّه الرسول صلى الله عليه وسلم ولاته وسعاته إلى الأقاليم والبلدان لجمع الزكاة وأمرهم أن يأخذوا الزكاة من أغنياء البلد ثم يردوها على فقرائه. ولقد مرّ بنا حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم وكذلك نفّذ معاذ رضي الله عنه وصية النبي صلى الله عليه وسلم ففرّق زكاة أهل اليمن في المستحقين من أهل اليمن، بل فرّق زكاة كل إقليم في المحتاجين منه خاصة، وكتب بذلك لهم كتابا كان فيه: “من انتقل من مخلاف عشيرتـــه (يعني الذي فيه أرضه وماله) فصدقته وعشره في مخلاف عشيرته”. وكذلك كان العمل في حياة عمر الفاروق رضي الله عنه أن يفرق المال حيث جمع، ويعود السعات إلى المدينة المنورة لا يحملون شيئا غير أحلاسهم التي يتلفعون بها وعصيهم التي يتوكأون عليها. وعلى هذا النهج الذي اختطه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم سار أئمة العدل من الحكام وأئمة الفتوى من فقهاء الصحابة والتابعين.
وإذا كان المتفق عليه أن الزكاة تفرق في بلد المال الذي وجبت فيه فإن من المتفق عليه كذلك أن أهل البلد إذا استغنوا عن الزكاة كلها أو بعضها لانعدام الأصناف المستحقة أو لقلة عددها ووفرة مال الزكاة، جاز نقلها إلى غيرهم أو إلى الإمام ليتصرف فيها حسب الحاجة أو إلى أقرب البلاد إليهم. ويقول الإمام مالك رضي الله عنه في هذا: “لا يجوز نقل الزكاة إلاّ أن يقع بأهل بلد حاجة، فنقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد، وهذا ما يسمونه أهل هذا العصر “بالتوازن الجهوي” أو “التكافؤ الإقليمي”.
قد فرض الإسلام للمجتمع هذا الحق في مال الأغنياء وهم إنما اكتسبوه بطرق شرعية لا من استغلال للإعراض ولا هضم للحقوق ولا من غصب أو احتكار أو ربا أو رشوة باسم هدية أو سحت أو غير ذلك من الطرق الممقوتة، إنما اكتسبوه لجدهم واجتهادهم في الحياة، ليعود بمنافع عديدة على العباد والبلاد ومنها بقاء المحبة بين الأغنياء والفقراء والقضاء على الفوارق الاجتماعية الفاحشة بحيث لا تعود الأموال متداولة بين الأغنياء على حساب الفقراء قال تعالى: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾(الحشر/7). فالملكية الفردية معترف بها في النظرية الاقتصادية الإسلامية ولكنها محددة بهذه القاعدة.. ولا يفهم من هذا أن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام رأسمالي لأن هذا لا يقوم ولا يمكن له أن يقوم إطلاقا بدون ربًا وبدون احتكار وبدون استغلال للقوى الشاغلة والكل حرمه الشرع الحنيف. فبالزكاة تتقي ثورات المستضعفين والمقهورين ويتيسر القضاء على جانب عظيم من الآفات الاجتماعية كالبطالة والتشرد والتوسل وما إلى ذلك..
لقد أقام الإسلام نظامه على أساس هذه القاعدة ففرض الزكاة. إن فريضة الزكاة بمثابة رابطة بين الانسان وربّه من ناحية وبينه وبين المجتمع من ناحية أخرى وكأن الاسلام أراد أن يلفت نظر المسلم إلى ضرورة شكر الله على ما أسدى إليه من نعم حتى يؤدي الزكاة، وإلى أنه عضو في مجتمع يجب أن يكون أبناؤه متعاونين متساعدين لا متخاذلين. صفا واحدا أمام عدوهم، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، والإسلام يدعو المسلمين جميعا إلى الوحدة ويعتبر أن جميعهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد واحدة على من سواهم.. وهذا هو التضامن الجماعي الذي يقول عنه القرآن في سورة الأنبياء: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾(92). إن هذه أمتكم أمة الأنبياء أمة واحدة تدين بعقيدة واحدة وتنهج نهجا واحدا، هو الاتجاه إلى الله دون سواه، أمة واحدة في الأرض ورب واحد في السماء لا إله غيره ولا معبود إلا إياه.
وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله… ومكانها في النظام الإسلامي لا تطوعا ولا تفضلا ممن فرضت عليهم فهي فريضة محتمة ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع فهي فريضة معلومة تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتودي بها خدمة اجتماعية محددة، وهي ليست إحسان من المعطي ولا شحاذة من الآخذ.. كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول ولن يقوم. فهي فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام.
للإسلام في توزيع الزكاة سياسة حكيمة عادلة، تتفق وأحدث ما ارتقى إليه تطور الأنظمة السياسية والمالية في عصرنا الذي يُخيل لبعض الناس أن كل ما يأتي به من النظم والتشريعات جديد مبتكر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواه البخاري وأحمد.[1]
-شاهد الفيديوهات في موضوع الزكاة على اليوتيوب:
– شرح الحديث الثاني من الأربعين النووية، من الفيديو رقم: 80 إلى 83.
– سماع صحيح البخاري باب الزكاة، من الفيديو رقم: 44 إلى 48.