بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
كيف تتحرر الشعوب
والانتصار الخلقي مقدم على من سواه، والمفكر مهندس بناء وأداة عمل تؤيده السلطة التي تكونه في حقول العمل ومؤسسات العلم والتربية، غير مغلق على نفسه كراهب في صومعته. فيعرف ثمة حاجيات البلاد ومؤهلات العباد، ويلقنه العامل والفلاح دروس الأمانة ومخاطر المسؤولية ويعالجانه من أمراض الجمود والأنانية وداء المكاتب فيتقي الظلم بمعرفة، وينصر الحق بمحبة ويدخل حضرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ” نظّر الله امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها”.
وإيصال النفع إلى الخلق موجب لرحمة الله وسبب في الوصول إلى حضرته: ” الخلق عيال الله – كما قال عليه الصلاة والسلام – أحبكم إلى الله أنفعكم لعياله” وإذا أردت أن تنهض بشعبك إلى الرقي فتعلم منه : ﴿وما أنت عليهم بجبار ﴾ (سورة ق/45)، وعالجه بحب وخاطبه بلغ وعلى ثقة به. فلغة الشعب أن يراك إمامهٌ في التضحية والخلق النبيل، وإلا رفضك كما تلفظ الأموات من البحار، واجعله حرا يتكلم كما يفكر، ويفكر فيما يؤمن، ولا يؤمن إلا بشريعة الله ورسوله، وإلا صعب عليه التحرر ودام عليه نكال عدوه، إذ كل ما حارب جانبا تولدت منه جوانب أخرى لم تكن في حسبانه، فيحارب بلا جدوى لأنه في شك من سلاحه وريب من عقيدته واضطراب من هدفه، أيقتل من يحب أو يعشق من يقتل ؟؟ كلا، قال تعالى: ﴿يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا﴾ (سورة الأحزاب/13). وفرارك من عدوك أن تشفق عليه وقد تغدى طويلا من لحمك وشرب كثيرا من دماء بنيك، فتشفق عليه لأنه خدر عقلك وأنساك مواقف سلفك الصالح وبطولات الأجداد، فأنت مثله إلا أن تخالف سلوكه ، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ (سورة المائدة/51-52)… فليس لهذا المرض علاج ولا لهذا المريض راحة ضمير. فمثله كمثل الكلب كما قال تعالى: ﴿إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ (سورة الأعراف/176).
وأشد من ذلك أن يعتقد المصاب نفسه معافى وفي جسمه بذور السرطان تغدو خماصا وتأتيه بطانا فلا يتفطن للعلاج إلا إذا رأى الشلل في جل ذاته. وما علاجه أنذاك إلا الموت الذي يريحه ويحوّل جوهره من ذبابة إلى نحلة تشقى لسعادة الناس: ﴿إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ (سورة الرعد/11).
فمن أراد الهوان يستعبد ومن أراد الحرية فله ما أراد، وكل امرئ يولد على الحرية – فطرة الله التي فطر الناس عليها – يجرى حبها فيه كما يجري في عروقه لبن أمه، وإن اختلفت الأجناس والألوان والبقاع والأزمان، كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا “.
واعلم أن كل حرية مقيدة، فتنتهي عندما تنقلب عدوانا على الغير، وحرية الرعية مقيدة بطاعة أهل الحل والعقد والإمام، وهؤلاء منقادون للأمة بسلاسل العدل والإحسان وإقام القسط بين الناس، والمسؤول مقيد بالواجب، فله حق الطاعة وعليه حماية شعبه، فلا تأخذه في الله لومة لائم ولا تيار عاطفة ولا يغرنه سلطانه، ولا يأخذه قهرا إلا لضرورة: فويل لمن أم قوما وهم له كارهون، ولا خير في قوم تؤمهم امرأة لأنها قليلا ما تعدل، وإذا عدلت فقليلا ما تنصف بين ذويها والرعية، وإذا وجد فيها الإنصاف انعدم صبرها عند الأهوال وتلاشت شجاعتها عند النوازل.
وما القائد إلا الذي تتولد من إرادته الإرادات ومن عزيمته العزائم فيثير في نفوس أحبابه القلة غبطة، وأعدائه حسدا ونكبة، وهو الغالب بالله على كل حال، وعكسه الذي يدعو إلى العصبي ويقاوم للقومية وجزاءه العزل فورا لخروجه عن المنهاج القويم. ومن يجري في عروقه حب الحرية يجاهد فيها ولو قيدوه بالأغلال لا يرضى بالافتقار إلا لله، ولا يصبر على النضال ولو بحديث نفس، قال عليه الصلاة والسلام: ” من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق”.
فلا إيمان إلا بالجهاد ولا جهاد إلا بالإيمان، فتلك تجارة لن تبور لأصحاب الميمنة أولئك أهل التقوى وأهل المغفرة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (سورة الصف/10-11).
والقائد يتحلى بثوب الفضيلة ويتجمل بالشورى والنصيحة ويتخلى عن كل رذيلة واستبداد …..