تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

في رحاب ذكرى مولد الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

علم أهل الكتاب بصفات أصحابـه رضي الله عنهم

إن أهل الكتاب لا يعرفون نعوت النبي الجديد الذي يملأ الأرض نورا وعدلا فحسب بل يعرفون كذلك صفات صحابته الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وانظر كيف قال جل ذكره عن هذه الجماعة السعيدة وكيف وصفها في التوراة والإنجيل: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزرة فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (أواخر سورة الفتح) .

والمؤمنون لهم حالات شتى ولكن اللقطات تتناول الحالات الثابتة في حياتهم ونقط الارتكاز في هذه الحياة وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصورة الوضيئة.. وإرادة التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة واضحة في اختيار هذه اللقطات..

إرادة التكـريم واضحة وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم نعم أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم واخوتهم وذو قرابتهم وصحابتهم ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا، رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين  فهي الشدة لله والرحمة لله جل علاه، وهي الحميَّة للعقيدة  والسماحة للعقيدة، فليس لهم في أنفسهم شيء ولا لأنفسهم فيهم شيء وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها، يشتدون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها، قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله، والوشيجة التي تربطهم بالله.

وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم، هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة: ﴿تراهم ركعا سجدا.

والتعبير يوحي كأنما هذه هي هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم، ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة وهي الحالة الأصيلة لهم في حقيقة نفوسهم، فعبر عنها تعبيرا يثبتها كذلك في زمانهم حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعا سجدا.

واللقطة الثالثة مثلها ولكنها لقطة لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا. فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة. كل ما يشغل بالهم وكل ما تتطلع إليه أشواقهم هو فضل الله ورضوانه، ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به.

واللقطة الرابعة تثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم، ونفحها على سماتهم: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود . سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفا والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف وليست هذه السمة هي النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله تعالى: ﴿من أثر السجود. فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة. واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضـوع والعبودية لله في أكمل صورها. فهو أثر هذا الخشوع، أثره في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحل مكانها التواضع النبيل والشفافية الصافية والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجـه المؤمن وضاءة وصباحه ونبلا.

وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه اللقطات ليست مستحدثة، إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر ومن تم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة وصفتهم التي عرّفهم الله بها في كتاب سيدنا موسى الكليم عليه السلام، وبشر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها.

وفي كتابه “المنح القدّوسية” وهو شرح لمتن الإمام ابن عاشر رحمه الله على طريقة الصوفية الكرام.. يقول الإمام ابن عليوة رحمة الله عليه عن دلالات الركوع والسجود عند رجال الله الكاملين: “الركوع وهو الانحطاط الكلي المسمى عند القوم بالفناء ويعبرون عنه بمحو الأفعال وكذلك الصفات والأغراض الدنيوية والأخروية والدرجات والمقامات حتى يكون العبد في هذا المقام بلا مقام. كما قال تعالى: ﴿يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. والمراد بالرجوع الرفع من الركوع وهي الفريضة السابعة إلا أن ذلك الرجوع يكون بربه لا بنفسه فتصير أفعاله وأقواله كلها بالله أي صادرة منه ومعمولة إليه. وقد قال بعضهم في هذا المقام: أن العارفين قيامهم بالله ونظرهم إليه قد تولى الله أمرهم إذا صدرت منهم حسنة لا يرجون ثوابا عليها وإذا صدرت منهم سيئة فالديّة على القاتل لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلا مع فعل الله”.

قلت: “هذا المقام صعب المرتع لا يتكلم فيه إلا من ذاقه وحققه وأخوف ما يخاف على المبتدئ في هذا المسلك الغميض ولا ينجى منه إلا من أخذ الله بيده لأنهم قالوا رضي الله عنهم:

وبعد الفنا في الله كن كما تشاء       فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر

فلهذا يخاف على من لم تحط به العناية الإلهية”. وعن دلالات السجود يقول رضي الله عنه: “السجود وهو منتهى المقصود من المصلي لكونه عبارة عن انحطاطه من درجات الوجود إلى أسفل العدم وهذا الانحطاط هو المسمى عند القوم بمحو الذات في الذات، وغاية قرب المصلي من ربه حالة سجوده. ومن هنا خاطب الحق عزّ وجلّ صاحب هذا المقام بقولـه: “واسجد واقترب“. قال عليه الصلاة والسلام: ” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد”. أي حالة كونه ساجدا. فإذا حصلت للمصلي رتبة السجود وفنا عن الوجود يسجد ثانية ليفنى عن ذلك الفناء. فلهذا يسجد ليكون سجوده عين الرفع منه الذي هو عبارة عن البقاء كما قال بعضهم رحمة الله عليهم:

فيفنا ثم يفنا ثم يفنا     فكان فناؤه عين البقاء

فيفنى أولا عن نفسه وعن  ما سوى الله في الجملة ثم يفنى عن ذلك الفناء ليكون بقاؤه بالله فإذا حصل له الفناء والاضمحلال في عظمة الله عز وجل فيفنى حينئذ إلا أنه يبقى هو بلا هو وذلك لأنه يكون ساجدا في نظر الحق رافعا في نظر الخلق فانيا من حيث الأُحدية، باقيا من حيث الواحدية. فسجود العارفين سجود متصل ووصولهم غير منفصل كما قال بعضهم:

فأسجد كي أفنى عن الفناء        وأسجد أخرى والمتيم والع

وقلبي قد أبقاه حسنك عنده       تحياته منكم إليكم تسارع

كيف يكون الرجوع ووجود الغير في هذا المقام ممنوع. فحاشاهم من الرجوع لأنفسهم والنظر لأبناء جنسهم، بل مازالوا ساجدين فانين في وجود موجودهم لم يبقى لهم وجود ولا أثر. ولا تسمع عنهم ذكرا ولا خبرا.. كانوا في الأيام الخالية وهم الآن بالله ومع الله أماتهم الحق عز وجل موتة بهيمية أي لا نشور بعدها ثم أحياهم حياة أبدية أي لا ممات بعدها ماتوا بأنفسهم وطبعهم وهويتهم وانبعثوا بربهم فصار وجودهم مع الله كأن لا وجود وحينئذ لا زائد لك هنا على عابد ومعبود فبسره يعبدونه. وببصره يشاهدونه، أن دعوت العارف أجابك موجوده وإن دعوت الموجود أجابك عارفه كما قيل:

 رب وعبد ونفي ضـد           فقلت له ليس ذلك عندي

فقال ما عندكم فقلنـا          وجود فقد وفقد وجودي

توحيد حق بترك حق           وليس حق سواي وحدي

فهذا من حيث قرب العبد من ربه حتى يصير معربا عن ذات الحق لا عن ذاته لغيبته في شهوده كما قال بعضهم:

ولما تصافينــا المحبة بيننــا            فصرنا ومن نهوى كشيء واحد

     لازلت أقرب منه حتى صارا             بصرا وسمعا حيث كنت وساعدي

فإذا رأيت فلا أرى إلا بــــــه             إذا بطشت فلا يزال مساعـدي

إن شئت شاء وإن أمرت فأمره        أمري لقد بلغت كل مقاصـدي

    فالذي أهوى ومن أهوى أنا             ما شاء يصنع حاسدي ومعاندي.

وكل ما يقع لهم في حال دخولهم لهذه الحضرة السنية فمقتضاه اضمحلال المكونات وبطلانها في نضره، وإلا فالرب حق والعبد حق والحق أحق أن يتبع” اهـ.

فهذا هو حال الكاملين من رجال الله عامة وحال صحابة رسول الله الكرام على وجه الخصوص… وأنظر كيف خاطب الله صحابة بدر الكـبرى ” افعلوا ما شئتم فأني قد غفرت لكم “… ألم يكن هذا دليلاً على أنهم فنوا عن مشيئتهم وصاروا كلهم إسلاما يمشي على الأرض لا يخافون في الله لومة لائم يحبون بحب الله ويبغضون ببغضه ؟؟ بلى ‍‌‌‍‍!!.

وأنظر كيف يصفهم ربهم جل وعلاه في إنجيل عيسى عليه السلام: وصفتهم في بشارته بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه أنهم ﴿كزرع أخرج شطأه فهو زرع نام قوى، يخرج فرخه من قوته وخصوبته. ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده “فآزره” أو إن العود آزار فرخه فشده “فأستغلظ” الزرع وضخمت ساقه وامتلأت. “فاستوى على سوقه” ولا معوجا ومنحيا ولكن مستقيما قويا سويا.. هذه صورته في ذاته فأما وقعه في نفوس أهل الخبرة في الزرع العارفين بالنامي منه والذابل، المثمر منه والبائر، فهو واقع البهجة والإعجـاب ﴿يعجب الزراع. وفي قـراءة يعجب ” الزارع ” وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذا الزرع النامي القوى المخصب البهيج.

وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس. فهو وقع الغيظ والكمد ﴿ليغيظ بهم الكفار لأنهم هذه الزرعة، زرعة الله وزرعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنهم ستار للقدرة وأداة لإغاظة أعداء الله.

وهكذا يثبت الله سبحانه في كتابه العزيز الخالد صفة هذه الجماعة المختارة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتثبت في صلب الوجود كله، وتتجاوب بها أرجاؤه وهو يتسمع إليها من بارئ الوجود وتبقى نموذجا للأجيال تحاول أن تحققها لتحقق معنى الإيمان في أعلى الدرجات.. ولن تخل الأرض في كل زمان ومكان من أمثال هؤلاء الرجال كخليل الرحمن، أمان أهل الأرض بهم يرزق الناس ويسقون.. وإلى هذه الحقيقة يشير شيخنا الإمام ابن عليوة رحمه الله بقوله:

       عباد الرحمن     …     في كل زمان   …   لهم الأمان مطـمـئـنـيـــن

         فهم الأبدال       …     لهم الاقبال     …   نواب الإرسال في العالمين

وفوق هذا التكريم كله وعد الله بالمغفرة والأجر العظيم.. وذلك التكريم وحدهم حسبهم وذلك الرضى وحده أجر عظيم ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ.

خاتمــــة

ولقد كانت رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده، والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة. ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق هذه المبادئ، فتزول غرابتها في حسها، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى.

لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد.. وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يوم ذاك. والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد.. ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرنا تحاول أن تقفو خطى الإسلام، فتتعثر في الطريق، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل، ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج ولو في الدعاوى والأقوال، وان كانت ما تزال أمم في أوروبا وأمريكا وإفريقيا تتمسك بالعنصريـة البغيضة التي حاربها الإسـلام منذ أمد بعيد.

ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون، في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات، وتجعل لكل طبقة قانونا. بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع.. فكان غريبا على ضمير البشرية يوم ذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء. ولكن ها هي ذي شيئا فشيئا تحاول أن تصل ولو نظريا إلى شيء مما طبقه الإسلام منذ عصوره الذهبية.

وغير هذا وذلك كثير، يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم إنما أرسل رحمة للعالمين. من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة، شاعرة أو غير شاعرة، وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة لمن يريد أن يستظل بها ويستروح فيها نسائم السماء الرخية، في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام. وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها، وهي قلقة حائرة شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب.

اللهم ألهمنا شكر الصابرين وتوبة الصدّيقين آميـن.