تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Cheikh Tahar Badaoui – الشيخ الطاهر بدوي

| ALG GMT+1

نفع الخلق والدفاع عن الحق بالحق

الحدث

بأكرم الخلق كنـا أكــرم الأمـم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

كنتم خير أمة أخرجت للناس

يقول جل علاه عن خصوصية هذه الأمة المحمدية: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعـروف  وتنهـون عـن المنكـر وتؤمنون بالله﴾(آل عمران/ 110). وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ولتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها وأن يكون لديها دائما ما تعطيه، ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح والتصور الصحيح والنظام الصحيح والخلق الصحيح والمعرفـة الصحيحـة والعلم الصحيح. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها وتحتمه عليها غاية وجودها. واجبها أن تكون في الطليعة دائما، وفي مركز القيادة دائما ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاء ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له.. وهي بتصورها الاعتقادي وبنظامها الاجتماعي أهل له فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي وبعمارتها للأرض، قياما بحق الخلافة أهلا له كذلك.

وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي خير أمة أخرجت للناس، لا عن مجاملة أو محاباة ولا عن مصادفة أو جزاف، تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا. وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: “نحن أبناء الله وأحباؤه” كلا!! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر وإقامتها على المعروف مع الإيمان الذي يحدده المعروف والمنكر، ذلك الإيمان الذي لا بد منه ليملك الدعاة إلى الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ويحتملوا تكاليفه وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ويواجهون طاغوت الشهرة في عرامتها وشدتها ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم وثقلة المطامع، وزادهم في كل ذلك هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان  وسندهم هو الله وكل زاد سوى زاد الله ينفد وكل عدة سوى عدة الإيمان تُغل ، وكل سند غير سند الله ينهار.

وفي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة، وفي مقابل المنافقين والكفار يقف المؤمنون الصادقون  طبيعة غير الطبيعة، وسلوكا غير السلوك ومصيرا غير المصير، قال تعالى في سورة التوبة: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم، وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ﴾ (71-72).

إن المنافقين والمنافقات مع وحدة طبيعتهم لا يبلغون أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض. فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة وإلى تعاون وإلى تكاليف، وطبيعة النفاق تأبى هذا كله ولو كان بين المنافقين أنفسهم. إن المنافقين أفراد ضعاف مهازيل، وليسوا جماعة متماسكة قوية متضامنة على ما يبدو بينهم من تشابه في الطبيعة والخلق والسلوك.

والقرآن الكريم لا يغفل عن هذا الوصف الدقيق: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾. وأما طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة، طبيعة الوحدة وطبيعة التكافل ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر… ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض. فليس لهم هوى غير أمر الله وأمر رسوله ولا يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله ولا يكون لهم منهج إلا دين الله ورسوله ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله، وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم ويوحدون طريقتهم فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد المستقيم ﴿ أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيـز حكيم ﴾. والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها حيث النعيم الأبدي المقيم وحيث الجنات والحور والأنهار والخيرات وحيث رضوان الله الأكبر الذي يتضاءل في هالاته كل نعيم.. إنما تكون هذه الرحمة في هذه الأرض أولا ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح. رحمة الله في اطمئنان القلب وفي الاتصال بالله وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث ورحمة الله في صلاح الجماعة وتعاونها وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة واطمئنانه لرضاء الله سبحانه.

إن لحظة اتصال بالله، لحظة شهود لجلاله، لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج ومن ثقلة هذه الأرض وهمومهـا القريبــة، لحظة تنبثق فيها في أعماق القلب البشرى شعاعة من ذلك النور الذي لا تدركه الأبصار. لحظة إشراق تنير فيها حنايا الروح بقبس من روح الله. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات التي تتفق للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء ليتضاءل إلى جوارها كل متاع وكل رجاء، فكيف برضوان من الله يغمر هذه الأرواح وتستشعره بدون انقطاع ﴿ذلك هو الفوز العظيم ﴾.

فلابد قبل كل شيء من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة، وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان، فلتوفر الجهود المبعثرة إذن، ولتحشد كلها في جبهة واحدة لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان. وإن الإنسان ليرثى أحيانا ويعجب لأناس طيبين ينفقون جهدهم في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في الفروع، بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم، ويقوم عليـه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقطوع. فما غناء أن تنهى الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا، فيستحيل ماله كله حراما، ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال، لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة الله، لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعة الله للحياة؟! وما غناء أن تنهى الناس عن الفسق مثلا في مجتمع لا يعتبر قانونه الزنا جريمة إلا في حالة الإكراه ولا يعاقب حتى في حالة الإكراه بشريعة الله، لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة؟ !وما غناء أن تنهى الناس عن السكر في مجتمع قانونه يبيح تداول وشرب المسكرات ولا يعاقب إلا على حالة السكر البيّن في الطريق العام وحتى هذه لا يعاقب فيها بحد الله، لأنه لا يعترف ابتداء بحاكمية الله جل علاه؟! وما غناء أن تنهى الناس عن سب الدين في مجتمع لا يعترف بسلطان الله ولا يعبد فيه الله، إنما هو يتخذ أربابا من دون الله ينزلون لـه شريعتـه وقانونـه، ونظامه وأوضاعه، وقيمه وموازينه. والساب والمسبوب كلاهما ليس في دين الله، إنما هما وأهل مجتمعهما في دين من ينزلون لهم الشرائع والقوانين ويضعون لهم القيم والموازين؟! ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال؟ ما غناء النهي عن هذه الكبائر، فضلا عن أن يكون النهي عن الصغائر، والكبيرة الكبرى لا نهي عنها. كبيرة الكفر بالله برفض منهجه للحياة.

إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق مما ينفق فيه هؤلاء الطيبون جهدهم وطاقاتهم واهتمامهم، إنه في هذه المرحلة ليس أمر تتبع الفرعيات، مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله، فحدود الله تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه. فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة، تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع، واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة، فكل جهد في الفروع ضائع وكل محاولة في الفـروع عبث والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». وقد يجيء على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم، ولا يستطيعون فيه تغيير المنكر بألسنتهم، فيبقى أضعف الإيمان وهو تغييره بقلوبهم، وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه. إن هم كانوا حقا على الإسلام، وليس هذا موقفا سلبيا من المنكر، كما يلوح في بادئ الأمر وتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه تغيير، دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته. فإنكار المنكر بالقلب، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به. وإنكار القلب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا المنكر، ولإقامة الوضع المعروف في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة، وهذا كله عمل إيجابي في التغيير وهو على كل حال أضعف الإيمان فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان أما الاستسلام للمنكر لأنـه واقـع ولأن له ضغطا، قد يكون ساحقا، فهو الخروج من آخر حلقة والتخلي حتى عن أضعف الإيمان. هذا وإلا حقّت على المجتمع اللّعنة التي حقّت على بني إسرائيل.

ومن يمعن النظر في حال أمتنا الإسلامية يجدها شبيهة بالذين قال عنهم جل علاه: ﴿لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾(المائدة/78-79). فهي المعصية والاعتداء، يتمثلان في كل صورهما الاعتقادية والسلوكية على السواء. وقد حفل تاريخ بني إسرائيل بالمعصية والاعتداء كما فصل الله في كتابه الكريم، ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالا فردية في مجتمع بني إسرائيل، ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها وأن يسكت عنها المجتمع ولا يقابلها بالتناهي والنكير.

إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين  المفسدين  المنحرفين، فالأرض لا تخلو من الشر والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة  المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفا مصطلحا عليه وأن يصبح سهلا يجترئ عليه كل من يهم به، وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات ويصبح الجزاء على الشر رادعا وجماعيا تقف الجماعة كلها دونه، وتوقع العقوبة الرادعة عليه، عندئذ  ينزوي الشر وتنحسر دوافعه، وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه، وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع بكامله ولا يسمح لها بالسيطرة وعندئذ لا تشيع الفاحشة ولا تصبح هي الطابع العام!!

والمنهج الإسلامي بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي في صورة الكراهية والتنديد، يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب، يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية قبل أن تصبح ظاهرة عامة، ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلبا في الحق وحساسا تجاه الاعتداء عليه ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء، ولا يخافوا لومـة لائـم سواء جاء هذا  الشر من الحكام المتسلطين بالحكم، أو الأغنياء المتسلطين بالمال، أو الأشرار المتسلطين بالأذى أو الجماهير المتسلطة بالهوى، فمنهج الله هو منهج الله والخارجون عليه علوا أم سفلوا سواء .

والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة، فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع من شر إذا هي سكتت عليه، ويجعل الأمانة في عنق كل فرد، بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة، روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون». وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم متكأ فجلس فقال: «ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا». فليس هو مجرد الأمر والنهي ثم تنتهي المسألة، إنما هو الإصرار والمقاطعة والكف بالقوة عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء. وروى الإمام أحمد بإسناده عن عدى بن عميرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه. فإذا فعلوا عذّب الله العامة والخاصة» وروى أبو داود والترمذي بإسناده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر».

وتتوارد النصوص القرآنية والنبوية تترى في هذا المعنــى لأن هذا التماسك في كيان الجماعة بحيث لا يقول أحد فيها وهو يرى المنكر يقع من غيره: وأنا مالي؟ وهذه الحمية ضد الفساد في المجتمع بحيث لا يقول أحد وهو يرى الفساد ويشيع: وماذا أصنع والتعرض للفساد يلحق بي الأذى؟ وهذه الغيرة على حرمات الله والشعور بالتكليف المباشر بصيانتها والدفع عنها للنجـاة من الله.. هذا كله هو قوام الجماعة المسلمة الذي لا قيام لها إلا به.