الـحـدث

الأرشيف
رجـب شهـر الله

 

 

واعلم أن اليهود يستقبلون بيت المقدس وليس هذا الاستقبال من أصل دينهم لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى عليه السلام . بناه سليمان عليه السلام ، فلا تجد في أسفار التوراة الخمسة ذكر الاستقبال جهة معينة في عبادة الله تعالى والصلاة والدعاء ولكن سليمان عليه السلام هو الذي سنى استقبال بيت المقدس..
  

و أما النصارى  فإنهم لم يقع في إنجيلهم تغير لما كان عليه اليهود في أمر الاستقبال في الصلاة ولا تعيين جهة معينة ولكن لما وجدوا الروم يجعلون أبواب هياكلهم مستقبلة لمشرق الشمس بحيث تدخل أشعة الشمس عند طلوعها من باب الهيكل وتقع على الصنم صاحب الهيكل الموضوع في منتهى الهيكل عكسوا ذلك فجعلوا أبواب الكنائس إلى الغرب وبذلك يكون المذبح إلى الغرب والمصلون يستقبلون الشرق .. فهذه حالة النصارى في وقت نزول الآية ثم إن النصارى من العصور الوسطى إلى الآن توسعوا فتركوا استقبال جهة معيّنة فلذلك تكون كنائسهم مختلفة الاتجاه وكذلك المذابح ( 1 ) المتعددة في الكنيسة الواحدة .

 

فالقبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة بل هي رمز يميز شخصية الأمة الإسلامية ووحدتها ويميز هدفها واهتماماتها ويميز كيانها ..فهل هي الآن مستعدة لإدراك هذه المعاني وتطبيق مفهوم هذا الإتجاه ؟؟؟  وإلى أي جهة تستقبل الأمة الإسلامية الآن ؟؟؟  أُرى إلى قبلة !! ألم يان للأمة الإسلامية أن تحول قبلتها وتحارب عدوها الذي يغزوها في عقر دارها ، يغزوها في عقيدتها وسلوكها ، يغزوها فيشتت صفوفها ويجعل أبناءها كالوحوش الضارية يقتل بعضهم بعضا ؟؟ فأين هي من الإسلام ؟؟  فالإسلام يدعو البشرية كلها إلى الوحدة في الله لا تعصبا منه بل للخير والحق والصلاح ...  فالمسلمون هم الغالبون وهم الأعلون وهم الأمة الوسط وهم خير أمة أخرجت للناس .. ولكن المسلمون اليوم في شتات تائهين ولا حول ولا قوة إلا بالله !!!
  

 

إن الإعجاز القرآني يتجلى في أن توجيهاته الكريمة والأسس التي جاء بها القرآن لكي ينشئ الجماعة المسلمة الأولى ، هي , هي، ما تزال التوجيهات والأسس الضرورية لقيام الجماعة المسلمة في كل زمان ومكان . وأن المعركة التي خاضها القرآن ضد أعدائها هي ذاتها المعركة التي يمكن أن تخوضها في كل زمان ومكان . لا بل إن أعداءها التقليديين الذين كانوا يواجههم القرآن ويواجه دسائسهم وكيدهم ومكرهم ، هم ، هم ، ووسائلهم ، هي، هي ، تتغير أشكالها بتغير الملابسات وتبقى حقيقتها وطبيعتها ، وتحتاج الأمة المسلمة ،في كفاحها وتوقيها إلى توجيهات هذا القرآن ، حاجة الجماعة المسلمة الأولى ، كما تحتاج في بناء تصورها الصحيح وإدراك موقفها من الكون والناس إلى ذات النصوص وذات التوجيهات ، وتجد فيها معالم طريقها واضحة ، كما لا تجدها في أي مصدر آخر من مصادر المعرفة والتوجيه .
   

 

ويظل القرآن كتاب هذه الأمة العامل في حياتها ، وقائدها الحقيقي في طريقها الواقعي ، ودستورها الشامل الكامل ، الذي تستمد منه منهج الحياة ونظام المجتمع وقواعد التعامل الدولي والسلوك الأخلاقي والعملي .. وهذا هو الإعجاز !!

-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مذابح الكنيسة : هي المواضع التي يقيم عليها الكهنة القداس الإلهي و تذبح الذبيحة غير الدموية . .

أنظر تفسير القرآن (  التحرير و التنوير ) للإمام محمد  الطاهر بن عاشور رحمه الله . 1


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9   10   11