الـحـدث

الأرشيف
رجـب شهـر الله

   

 

والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد، وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال فليست معركة اقتصادية أو معركة قومية أو معركة وطنية، بل هي معركة العقيدة، وهذه لا تجدي فيها أصناف الحلول ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح، ومن كان مع الله كان هو الغالب على كل حال والمنصور بلا جدال .
   

 

فأين الغيرة الإسلامية ؟ وهل بقي منها شيء في نفوسنا وقد أشربنا حب المادة والملذات ؟ فيغضب أحدنا إذا انتهكت حرمة منزله ولا يغضب لغضب الله. فأين الإيمان ؟ وما الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله.. وما الإيمان إلا بالجهاد المقدس... كيف كان رد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم على اليهود عامة وعلى بني النضير خاصة في وقعة وقعت بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب ؟ أكان رده مظاهرات صامتة ؟ أم إعراضا عن المشركين ؟ كلا !! وإليك نبذة وجيزة عنها:
    

 

كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب.. ومما يذكر عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب مع عشرة من كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم، بينما كانوا يدبرون أمرا لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه. وكان صلى الله عليه وسلم جالسا إلى جدار من بيوتهم. فقال بعضهم لبعض: " إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمر و بن جحاش بن كعب فقال: " أنا لذلك ". فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فأُلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبيت اليهود من غدر. فقام كأنما ليقضي أمرا. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم...
  

فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر محلة بني النضير، وأمهلهم ثلاثة أيام وقيل عشرة ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة وقالوا لهم:" أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم ". فتحصن اليهود في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخيلهم والتحريق فيها..
   

ولما بلغ الحصار ستا وعشرين ليلة يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب فصاروا "يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المومنين ". فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن خشبة بابه فيحمله على ظهر بعيره أو يخرجه حتى لا يقع في أيدي المسلمين..
    

وفي هذا يقول الله تعالى في سورة ( الحشر  ): " هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) ". وكان منهم من سار إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام . وكانت أموال بني النضير فيئا خالصا لله و الرسول، لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين خاصة دون الأنصار عدا رجلين من الأنصار فقيرين هما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة وذلك أن المهاجرين لم يكن لهم مال بعد الذي تركوه في مكة وتجردوا منه كله لعقيدتهم، وكان الأنصار قد أنزلوهم دورهم وشاركوهم مالهم في أريحية عالية وأخوة فائقة وإيثار عجيب. فلما واتت هذه الفرصة سارع رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة الأوضاع الطبيعية في المجتمع الإسلامي كي يكون للفقراء مال خاص وكي لا يكون المال متداولا في الأغنياء وحدهم.

  

وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم والراجح أنهم من المنافقين فأنزل الله تعالى ليحسم الموقف ولينهي الخلاف:" وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)." ( الحشر) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار:" إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة ". فقالت الأنصار: " بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها ".

 

وفي هذا نزل قوله تعالى: "  لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ". ( الحشر).
  

 

وهل كان رد المسلمين على اعتداء الصهاينة ومن هو على شاكلتهم على هذا النحو وعلى هذه المنهجية النبوية ؟؟ وما اعتدوا علينا إلا بعد أن اعتدينا بأنفسنا على عقيدتنا ومقدساتنا فاضمحلت قوانا وتلاشت صفوفنا وأصبحنا كثرة أذلة لا قلة قوية، غثاء كغثاء السيل و لا حول و لا قوة إلا بالله.


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9   10   11