الـحـدث

الأرشيف
رجـب شهـر الله

 

من دلالات الإسراء والمعراج

 

 

الإسراء والمعراج معجزة تكرم بها الله عز وجل على حبيبه وصفيه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    

يولع بعض الباحثين بالمبالغة في تصوير حياة النبي صلى الله عليه وسلم على أنها حياة بشرية عادية. وذلك من خلال الإطناب في بيان أن حياته صلى الله عليه وسلم لم تكن معقدة وراء الخوارق والمعجزات، وأنه كان يؤكد دائما أن المعجزات والخوارق ليست من شأنه وليس له إليها سبيل . ويكثرون في هذا الاستشهاد بمثل قوله تعالى:" قل إنما الآيات عند الله"( سورة الأنعام / 109) بحيث يخيل إلى القارئ أو السامع أن سيرته كانت بعيدة كل البعد عن المعجزات والآيات التي يؤيد الله بها في العادة أنبياءه ورسله الصادقين.
   

 

وإذا أمعنا في منبع هذه النظرية ، نجدها في الأصل فكرة بعض المستشرقين والباحثين الأجانب من أمثال " غوستاف لوبون" و" أجوست كونت" و"هيوم" و"جولد زيهر" وغيرهم...   وأساس هذه النظرية عندهم وسببها هو عدم الإيمان بخالق المعجزات أولا، ذلك لأن الإيمان بالله عز وجل إذا استقر في النفس سهُل الإيمان بكل شيء بعد ذلك.
   

ثم تلقف هذه النظرية منهم ، أناس من المسلمين كان من سوء حظ العالم الإسلامي أن جندوا كل مساعيهم وعلومهم للتبشير بأفكار أولئك الأجانب دون أي مؤيد سوى الافتتان بزخرف خداعهم وانخطاف أبصارهم بمظهر النهضة العلمية التي هبت في أنحاء أوربا ثم نظر محترفوا التشكيك وأرباب الغزو الفكري، فوجدوا في هذا الذي يقوله بعض من المسلمين أنفسهم ما يفتح لهم آفاقا وميادين جديدة لغزوهم الفكري وتشكيك المسلمين بدينهم يغنيهم عن وسيلتهم العتيقة، وسيلة الحرب المباشرة للعقيدة الإسلامية وغرس الأفكار الإلحادية في الرؤوس . فراحوا يروجون صفات معينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالبطولة و العبقرية و القيادة في عبارات من الإعجاب والإطراء، ويبالغون في الوقت ذاته في تصوير حياته العامة بعيدة عن كل ما لا يدركه العقل من المعجزات وخوارق العادات. كي يتم لهم إنشاء صورة جديدة للنبي صلى الله عليه وسلم في أذهان المسلمين مع مرور الزمن ، قد تكون صورة " محمد العبقري" أو تكون صورة " محمد القائد " أو تكون صورة " محمد البطل" ولكنها لا ينبغي أن تكون على أي حال من الأحوال صورة "محمد النبي والرسول" إذ تُكون جميع حقائق النبوة بما يحف بها ويستلزمها من وحي وغيبيات وخوارق قد قُذف بها إلى عالم ما يسمونه " الأساطير" ذلك لأن ظاهرة الوحي والنبوة تعتبران في رأس المعجزات. وحينئذ لا ينبغي أن يتصور بطبيعة الحال، أي سبب لتكاثر مختلف الناس والأمم من حول الرسول وانضوائهم تحت لوائه وانسياقهم في دعوته، إلا التأثر بعبقريته ومقومات القيادة في حياته. وإلى الصفات الواجبة والجائزة والمستحيلة في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام يشير الإمام ابن عاشر رحمه الله في منظومته فيقول:


يجب للرسل  الكرام  الصدق     ♦♦  أمانـة  تبليـغـهـم  يحـق            
مـحـال  الكذب  والمنهي          ♦♦   كعـدم  التبلـيـغ  ياذكـي            
يـجوز في حقهم كل عرض     
♦♦   ليس  مؤديا  لنقص  كالمـرض             
لو لم  يكونوا  صادقين للزم    
♦♦   أن  يكذب  الإله  في تصديقهم             
إذ  معجزاتهم  كقولـه  وبر       
♦♦   صدق  هذا  العبد  في كل خبر            
لو انتفى التبليغ  أو خانوا حتم  
♦♦    أن  يقلب  المنهي  طاعة  لهـم            
جواز الأعراض  عليهم  حجته  
♦♦
    وقوعها  بهم  تسل  حكمتـه            
    

 

ومن معجزاته المادية نبع الماء من أصابعه الشريفة عدة مرات في عدة مواطن، وانشقاق القمر حينما سأله المشركون ذلك، ومعجزة الإسراء والمعراج التي نحن بصددها وغيرها... وتكلُل هذه المعجزات بتاج المعجزة المعنوية التي تظل قائمة ببقاء الله ألا وهي القرآن الكريم والتي جاءت دليلا لسائر الأمم إلى سعادة العاجلة والآجلة .نعم جاءت ناسخة بشرعها كل الشرائع السالفة، لا تنفد عجائبها ولا يضل من اهتدى بهديها، شفاء لكل الأدواء وغذاء لكل جائع وشرابا لكل ضمأن ولباسا يقي صاحبه من كل بأس ويزيده جمالا ونورا.


  وعن معجزة القرآن الكريم يقول الإمام البوصيري رحمه الله:

 

 آيات حق  من الرحمن  محدثـة          قديمة صفة  الموصوف  بالقدم      
لم  تقترن   بزمان  وهي  تخبرنا
    ♦    عن المعاد وعن  عاد وعن ارم      
دامت لدينا ففاقت كل معجزة         
    من النبيين إذ جاءت ولم  تد      
    

 

فالإسراء والمعراج معجزة تكرم بها الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كضيافة حبيب لمحبوبه ومعبود لعبده وذلك تجديدا لعزيمته وثباته. فهو دليل على أن الذي لاقاه عليه الصلاة والسلام من قومه ليس بسبب أن الله قد تخلى عنه أو أنه قد غضب عليه، وإنما هي سنة الله مع محبيه ومحبوبيه وهي سنة الدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن.


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9   10   11