الـحـدث

الأرشيف
مفاهيم يجب أن تصان!!!الجزء الأول

                                 بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه و التابعي

 

   أيها الإخوة الأعزاء إنه لمن دواعي الخجل والأسى أن تنحرف المفاهيم النبيلة عن حقيقتها فيصبح الخائن أمينا والأمين خائنا والمغتصب مجاهدا والمجاهد إرهابيا، والأعجب من هذا أن ترى أخاك يسارع في رضا الأعداء الذين اغتصبوا أرضك ومقدساتك ويمنعك أنت من الدفاع عن عرضك وعن دينك وعن وطنك، ويتّهم حتى الذي يأتيك لنصرتك بالزندقة والخروج عن الملة الحنيفية وينسى أنه يتولى أعداء الله ويدعو إلى الاستسلام البغيض وإلى العصبية المنتنة.. فتراه يميل إلى الأعداء ظنا منه أنهم ينصرونه إذا استنجد بهم في الملمات أو ليثبتوه على عرشه الذي أقامه على جماجم المستضعفين الأبرياء ورفات الشهداء.

  

   فبأي لغة يتكلم هذا الأخ المغرور؟ وعن أي مفهوم يدافع يا ترى؟ كيف يدعو إلى الاستسلام للأعداء والرضا بالاستعمار الشنيع والله تعالى حرّم كل ذلك حين قال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم:" فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم"(25) فهذا هو الذي يحذر المؤمنين إياه ويضع أمامهم مصير الكفار المشاقين للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ليحذروا شبحه من بعيد

 

   وهذا التحذير يشي بوجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة، وتهن عزائمهم دونه، ويرغبون في السلم والمهادنة ليستريحوا من مشقة الحروب وربما كان بعضهم ذوي قرابة في المشركين ورحم أو ذوي مصالح وأموال، وكان هذا يجنح بهم إلى السلم والمهادنة.. كالذي نشاهده بالنسبة لواقع أمتنا المجيدة التي أصبحت لا حول لها ولا قوة، لا عز لها ولا سلطان، لا مدد لها ولا برهان تتكالب عليها عملاء الصهيونية العالمية من خارجها ومن داخلها.. فلا ملجأ لها إلا إلى الركن الشديد الفعّال لما يريد.....

 

   إذا فالنفس البشرية هي هي والتربية الإسلامية تعالج هذا الوهن تعالج هذا الداء، داء التثاقل عن الجهاد بالنفس والنفيس وداء التقاعس عن التضحية ابتغاء رضا الله ورسوله وسعيا وراء الحياة الطيبة الخالدة، تعالج هذه الخواطر الفطرية بوسائلها المتفرقة وقد نجحت نجاحا خارقا حيث أصبح نور الإسلام الحنيف على كل ربوع المعمورة في أقل من نصف قرن من البعثة المحمدية.. ولكن هذا لا ينفي أن تكون هناك رواسب في بعض النفوس وبخاصة في ذالك الوقت المبكر من العهد المدني.. وهذه الآية هي بعض العلاج لهذه الرواسب.. وفي عصرنا حدث عنها ولا حرج .

 

   أجل "أنتم الأعلون" فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم، أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية وأنتم الأعلون شعورا وخلقا وسلوكا ثم أنتم الأعلون قوة ومكانا ونصرة فمعكم القوة الكبرى " والله معكم" فلستم وحدكم، إنكم في صحبة القوي العزيز العلي الجبار القادر القاهر فوق عباده وهو لكم نصير، حاضر معكم يدافع عنكم .

 

   فما يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم؟ وكل ما تبذلون وكل ما تفعلون وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب بكم، لا يضيع منه شيء عليكم " ولن يتركم أعمالكم".. ولن يقطع منها شيئا لا يصل إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه . فعلام يهن ويضعف ويدعو إلى السلم من يقرر الله سبحانه له أنه الأعلى وأنه معه وأنه لن يفقد شيئا من عمله فهو مكرّم منصور مأجور. ويقرر السياق القرآني الكريم في اللمسة الثانية بعد هذه، أن " الحياة الدنيا لعب ولهو" حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى، حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله فيها، ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة، ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية.

 


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9